أبراهام السرفاتي.. مسار مناضل على مدار نصف قرن

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF
View Comments

السرفاتي وطني وسليل أسرة وطنية
ازداد ابراهام السرفاتي سنة 1926 بالدار البيضاء من عائلة يهودية مغربية من أصول عربية مقيمة بالمغرب منذ أن طردت من إسبانيا سنة 1492 تاريخ سقوط الأندلس.
وقد ترعرع السرفاتي داخل أسرة وطنية

معروفة بمناهضتها للمستعمر الفرنسي، خاصة أبوه موسى حاييم السرفاتي، وتشبع بالروح الوطنية في كنف والديه منذ نعومة أظافره.
لكن في حمأة الكفاح الوطني وتصعيد الحركة الوطنية لنضالها ضد الاستعمار، أقدم المستعمر الفرنسي سنة 1944 على إعدام مجموعة من الشباب المغاربة المتظاهر. عقب هذه الأحداث الدموية، سارع السرفاتي إلى الانخراط في الشبيبة الشيوعية المغربية.
وقد شكلت هذه المرحلة المنطلق الحقيقي والمنظم لنضاله ضد الاستعمار، فتحمل مسؤوليات مهمة داخل الحزب الشيوعي المغربي، كما انتخب في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية، وفي غضون سنة 1950عين سكرتيرا لناحية الدار البيضاء، واعتقل وهو محمل بحقيبة مملوءة بمناشير تطالب بخروج المستعمر، حوكم على إثرها بشهرين سجنا نافذا.
وأمام تزايد نشاطه المناهض للمستعمر، طاردته السلطات الفرنسية سنة 1952 في إطار حملة الاعتقالات التي عرفتها مدينة الدار البيضاء، وتم إطلاق سراحه مؤقتا واعتقاله من جديد وطرده من قبل سلطات الحماية إلى فرنسا باعتباره مواطنا ليس مغربيا بمعية  العديد من الأطر الشيوعية والنقابية الفرنسية منها والإسبانية، في إطار الحملة الشرسة التي تعرضت لها الحركة الوطنية في أعقاب الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات يوم 8 نونبر 1952 احتجاجا على اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد.
بعدها بأيام طردت أخته إفلين السرفاتي المناضلة في الحزب الشيوعي إلى فرنسا هي الأخرى بسبب نشاطها المعادي لسلطات الحماية.
وقد قضى إبراهام وإفلين ما يزيد عن 3 سنوات في المنفى ولم يستعيدا حقوقهما الوطنية كمغاربة إلا سنة 1952 بناء على مذكرة للحكومة المغربية وطلب وزير العدل آنذاك عبد الكريم بن جلون ..

السرفاتي بين معركة التحرر الاقتصادي والاستقلال الوطني
فقد واصل أبراهام السرفاتي نضاله بعد حصول المغرب على الاستقلال ضد مخلفات العهد الاستعماري وأشكاله الهيمنية الجديدة، وكمناضل وإطار وطني خريج المدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس ساهم في ظل حكومة عبد الله إبراهيم الوطنية من أجل إرساء أسس اقتصاد وطني بإشرافه على تكوين أطر مغربية لتوطيد دعائم مغرب المستقبل.
وفي هذا الإطار، أماط اللثام عن عمليات النهب التي كانت تتعرض لها الثروة الوطنية من طرف الأطر الفرنسية التي استمرت في الإشراف على استخراج المعادن بل وأفشل محاولة  سرقة  الخرائط  الجيولوجية  للثروة المعدنية للمغرب  من قبل هؤلاء.
نفس العملية كشف عنها في مناجم الحديد بالناظور ولعب دورا كبيرا في إدارة المعادن والجيولوجيا المرتبطة بوزارة الاقتصاد التي كان على رأسها المناضل الوطني عبد الرحيم بوعبيد، وذلك بوضع سياسة معدنية وبترولية مغربية مستقلة.    
وواصل في نفس الفترة نضاله داخل حزب التحرروالإشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقا) وقدم ترشيحه رفقة الهادي مسواك للانتخابات البلدية سنة 1963، لكن سحبا ترشيحهما في اليوم الذي تعرضت فيه اللجنة الوطنية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية لحملة اعتقالات واسعة بالدار البيضاء، وأصدرا منشورا موقعا بإسميهما احتجاجا منهما عن ذلك.
وفي غمرة الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الدار البيضاء سنة 1965، تعرض أبراهام السرفاتي للاعتقال رفقة مجموعة من المناضلين.
ومن موقعه كمدير تقني، أعلن السرفاتي تضامنه المطلق واللامشروط مع إضراب عمال مناجم  الفوسفاط  بخريبكة والذي دام شهرا ونصف سنة 1968، عبر رسالة موجهة إلى الإدارة وإلى مهندسي المكتب الشريف للفوسفاط ، والتي عممها الاتحاد المغربي للشغل وسط العمال، ونشرت على أعمدة جريدة الكفاح الوطني، الأمر الذي دفع إدارة المكتب الشريف للفوسفاط إلى إقالته من منصبه.
واستمر أبراهام السرفاتي يناضل في صفوف حزب التحرر والاشتراكية إلى نهاية الستينات،  حيث كان عضوا بلجنته المركزية،  وبسبب خلافات سياسية وإديولوجية، عصفت بها الثورة الثقافية الصينية وأحداث ماي 1968 بفرنسا وولادة اليسار الفلسطيني ومخطط روجز حول القضية الفلسطينية، قرر الخروج من الحزب رفقة مجموعة من مناضليه وتأسيس منظمة سرية تحت إسم «إلى الأمام «.
وفي سنة 1972 تعرض للاعتقال، وتم الإفراج عنه بعد 3 أشهر، ليحاكم غيابيا في صيف 1973  بالسجن المؤبد ضمن المجموعة 48 بالبيضاء .
في صيف نفس السنة تعرضت إفلين شقيقة أبراهام للاعتقال والتعذيب بسبب رفضها الكشف عن الوسيط الذي كانت تزوده بالمال لإيصاله إلى شقيقها، وقد توفيت إفلين بعد عامين بسبب التعذيب الوحشي الذي تعرضت له.
وسيواصل السرفاتي العمل السري إلى أن اعتقل في نونبر 1974 ومحاكمته بالبيضاء سنة 1977 بالسجن المؤبد، قضى منها ما يزيد عن 17 سنة في السجن المركزي بالقتيطرة.
وبتاريخ 13 شتنبر 1991 أعلنت الداخلية المغربية تجريد إبراهام السرفاتي من الجنسية المغربية وإبعاده من المغرب بدعوى حمله للجنسية البرازيلية، ولم يعد من  منفاه القسري حتى شتنبر 1999،  أي في عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث تم الإقرار بحقوق مواطنته كاملة غير منقوصة وضمان ظروف إقامة محترمة لعائلته، وتعيينه مستشارا لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط في إطار رد الاعتبار له.

السرفاتي مناضلا فلسطينيا
لقد كرس المناضل أبراهام السرفاتي  جزء من نشاطه الفكري والسياسى لمساندة الشعب الفلسطيني، وقد سبق للسرفاتي أن زار قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن في سنواتها الأولى، وبهذا الخصوص ثمنت منظمة التحرير الفلسطينية وهيئاتها كالمجلس الوطني الفلسطيني نضاله القومي، بل وذهبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حد منحه العضوية داخل تنظيماتها، كما عينت له منظمة التحرير الفلسطينية محاميا لمؤازته في محاكمة 1977 .
ويعود نضاله إلى جانب الثورة الفلسطينية إلى خمسينات القرن الماضي، ففي بداية الخمسينات  صاغ السرفاتي منشورا موقعا بناحية الدار البيضاء  للحزب الشيوعي المغربي، يدعو فيه اليهود المغاربة إلى الالتحاق بالحركة الوطنية ومناهضة الصهيونية.
وناهض السرفاتي عملية التهجير التي استهدفت الجماهير اليهودية المغربية  الكادحة إلى الكيان الصهيوني، أو ما كان أسماه السرفاتي بعملية «المتاجرة السافرة باللحوم البشرية» التي انطلقت سنة1961، والتي ارتكبت في معرضها أبشع جريمة في حق اليهود المغاربة، بحيث عمدت بواخر  الوكالة الصهيونية في تهجيرها لليهود المغاربة إلى إيصال الأطفال والشباب بعد رمي الشيوخ والعجزة في عرض البحر.
كما كرس السرفاتي جهده النظري والفكري في تشريح الصهيونية في عدد كبير من الدراسات والمواضيع والتي جمعها في كتاب صدر له بباريس سنة 1977 قدم له المناضل هاني الحسن المستشار السياسي  للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.
كتاب يكشف السرفاتي بين طياته الطابع العنصري للصهيونية وتعارضها مع الدين اليهودي ويفند بالتحليل التاريخي والعلمي مفهوم الشعب اليهودي ويبسط أراءه وأفكاره في كيفية تحرير فلسطين بارتباط بالنضال التحرري العربي، يقول هاني الحسن في تقديمه لكتاب السرفاتي تحت عنوان « لثورة  العربية والنضال ضد الصهيونية»:
(لم تتح لي الفرصة وهذا من سوء حظي للتعرف علي أبراهام السرفاتي، غير أنه ليس من الضروري لقاء الذين يتركون بصماتهم على الأحداث للإحساس بالقرب منهم. فكثيرا ما كانت مسؤولياتي من خلال مشاركتي في بلورة الديبلوماسية الفلسطينية المناضلة،  تفرض علي الصمت وتمنعني من التعليق على قضايا مختلفة لا تتعلق مباشرة بالقضية الفلسطينية.
فغالبا ما نهاجم، ومع ذلك لا نكسر صمتنا، لأن من واجب كل مناضل أن يعمل على نصرة الثورة قبل أي شيء. ولكن عندما علمت باعتقال أبراهام السرفاتي، لم أتمالك نفسي ولم أعد قادرا على الاستمرار في الصمت حينما قررت أن أشارك علنيا  في التعريف بالمناضل الطليعي والتقدمي ابراهام السرفاتي.
نحن مناضلو  فتح وككل المناضلين  الفلسطينيين لم نعتد على ذكر الأصول الدينية للمناضلين ولا الرجوع إليها فنحن نقصي من صفوفنا كل من يأتي بسلوك كهذا، ولكن حين يتعلق الأمر بأبراهام السرفاتي فإننا نقول بصوت عال وعال جدا بأنه مناضل ابن عائلة يهودية عربية مغربية، لماذا؟
لأن الثورة الفلسطينينة  وهي تصارع دون تردد وبحماس ضد الحركة الصهيونية وكل ما تحمله من فاشية وعنصرية تصارع كذلك دون تردد وبنفس الحماس ضد الشوفينية والتعصب الديني داخل الوطن العربي، وقد استغلت الصهيونية الوضعية التي خلقها هذان الوباءان لاستقطاب مجموعة من السكان اليهود العرب الفقراء.
نحن نركز على أبراهام السرفاتي لإعطاء المثال الحي الذي يجب أن يساهم في محو الشوفينية والتعصب داخل الوطن العربي من جهة، ومن جهة أخرى محاربة الصهيونية وإديولوجيتها العنصرية والفاشية،» نحن اليهود المعادين للصهيونية في العالم علينا أن نساهم في العمل الثوري ضد الدولة الصهيونية وبالتالي في مجهود الثوار العرب لكي لا نسقط  في فخ العنصرية  وأن نجعل هذا العمل ثوريا حقا لأجل العالم العربي، وكإسهام في نضال الإنسانية جمعاء من أجل اقتلاع جذور أشكال القمع الأزلي والتي تزدهر إبان احتضار الامبريالية).

 

عبد الواحد سهيل: أبراهام مناضل كبير ووطني محنك وأممي ثابث ومبدئي
تعرفت على أبراهام في الحزب الشيوعي المغربي حين كنت آنذاك طالبا، وكنت أتلقى دروسا منه في الوقت الذي كان فيه سي عزيز بلال نائبا لعمدة كلية الحقوق حيث كان ينظم دروسا في التكنلوجيا ويستدعي أبراهام لإلقاء بعض الدروس بصفته كان أستاذا في مادة التكنلوجيا. كما اشتغلت معه في إطار اللجنة الاقتصادية داخل الحزب مع سي عزيز ومناضلين آخرين. أبراهام إنسان إنساني بكل معنى الكلمة، مناضل كبير وطني محنك وأممي ثابث ومبدئي. فقد حارب الاستعمار ونفي أيام الحماية. وكان مهندسا متخرجا من مدرسة المعادن بباريس وما أدراك ما مدرسة المعادن. كما تقلد مناصب كبرى في بداية الاستقلال ولعب دورا في المكتب الشريف للفوسفاط الذي غادره بعد طرده بسبب مساندته لإضراب المنجميين ووقوفه إلى جانبهم.
أبراهام تطور بعد ذلك خلال الظروف التي عرفها المغرب في الستينات والسبعينات مع بروز حركة اليسار العالمي والمغربي حيث حدث الانشقاق من حزب التحرر والاشتراكية وتكوين مجموعة «إلى الأمام».
رغم التباين السياسي واختلاف الظروف كانت لأبراهام مكانة خاصة بين قيادة الحزب. لقد كان أبراهام صوتا من أصوات المغاربة من أصل يهودي كما كان هناك حزب يسمح بهذا التعايش بين المغاربة على اختلاف الأديان والمناطق. وكان أبراهام يقول عن نفسه أنه يهودي عربي. خلال الفترة الأخيرة والظروف المعروفة فقد ظل أبراهام شاهدا على العصر ورمزا من عيار رفيع، عيار من عملوا بشرف وثبات ودافعوا عن أفكارهم ومبادئهم. وقد كان أبراهام ولا زال يعتبر فردا من عائلة الحزب.

محمد مجاهد: خسارة لرمز كبير بقي وفيا لمبادئه وللقيم والقناعات التي ضحى من أجلها
وفاة المناضل أبراهام السرفاتي تعد خسارة كبيرة للنضال الديمقراطي وللنضال الاجتماعي. هي خسارة باعتبار السرفاتي رمزا من الرموز لا فقط في النضال السياسي بل أيضا باعتبار مساهماته وإسهاماته التي قدمها منذ النضال ضد الاستعمار.
فقد قدم الرجل تضحيات كبيرة خلال فترة الاستعمار، وواصل نضاله من موقعه في الحزب الشيوعي المغربي، كما ساهم من موقعه كمهندس في عهد حكومة عبد الله ابراهيم في تصنيع البلاد وتقدمها الاقتصادي.
والسرفاتي هو من مؤسسي اليسار الجديد، وله إسهامات نظرية وفكرية غنية كما له تضحيات قياسية أيضا سواء في السجن أو في المنفى. وقد ترك تراثا كبيرا في الفكر السياسي المغربي كما كان لنضاله ولفكره بعد عالمي سواء في نضاله إلى جانب القضية الفلسطينية أو في نضاله إلى جانب حركات التحرر في العالم.
وقد ظل السرفاتي مخلصا لمواقفه، ثابثا على تلك المواقف. لقد مات وهو لا يملك إلا تاريخه ونضاله وقيمه وذلك بالرغم مما قيل في الآونة الأخيرة. لقد بقي وفيا لمبادئه وللقيم والقناعات التي ضحى من أجلها طيلة هذه المدة.
وفاة أبراهام السرفاتي تعد أيضا خسارة كبيرة وفادحة لرمز. ومع الأسف فنحن الآن نفقد أكثر مما ننتج من رموز القوى اليسارية والتقدمية.
سيظل هذا المناضل حاضرا بالرغم من وفاته، حاضرا كفكر وكسلوك وكممارسة. كما سنستلهم من مساره النضالي الكبير. وأظن أن القوى اليسارية والديمقراطية لا يمكنها إلا أن تستلهم من هذا المسار الغني والمتميز.

مصطفى المانوزي: أبراهام رجل النقد والنقد الذاتي
بالنسبة لي أعتبر وفاة أبراهام السرفاتي خسارة كبيرة للمغرب وللقضية الفلسطينية. وأعتبر أن نفس المعايير التي أنظر بها إلى مسار عمر بنجلون، كحلقة أساسية في النضال السياسي بالمغرب، هي نفسها التي أرى من خلالها المسار النضالي لأبراهام السرفاتي. فقد كان أبراهام رجل المواقف الصعبة ورجل الجرأة. بالتالي فالهندسة السياسية والفكرية والمسار النضالي هذا يصعب تعويضه.
بالنسبة للجانب الثاني فأبراهام رجل حوار ورجل تدبير الأزمات الفكرية والسياسية. واعتقد الآن  أنه يجب أن يخرج كل ما كتبه وكل حواراته إلى الوجود، وأن يرفع عنها الحصار. ذلك أن له تقييم خاص لتجربته. ومنذ خروجه من السجن وضع علامات تساؤل على هذه التجربة وقام بتقييمها بشكل إيجابي موضوعي وجريئ. لكن للأسف فنحن كلنا، وأقول كلنا، لم نسايره في هذا المنحى. وأملي أن يخرج للوجود كل ما كتبه في إطار المراجعات التي قام بها. فهو رجل النقد والنقد الذاتي. وحسب التصريحات الأولية فقد تعامل إيجابيا مع ما يجري على علاته، أعني بذلك التناوب والمسلسل الديمقراطي ومسلسل الحقيقة والمصالحة.  كما سجل عنه، رغم انتقاداته لـ»اليسار الإصلاحي»، تعامله الإيجابي مع المرحلة واعتباره لوحدة اليسار ضرورة لا بد منها.
من الناحية الإنسانية، وحسب ما عرفته من ابنه الذي كانت تجمعني وإياه زنازن السجن، فأبراهام رجل حوار ورجل أسرة حيث لم يهمل يوما ما أسرته. كما أنه متسامح مع جميع الديانات وهذه أمور يجب على شباب اليوم أن يعرفها. وقد شاءت الأقدار أن يتوفى بمناسبة دينية مقرونة بمناسبة وطنية وهي محطة علينا أن نجعلها لحظة لتقييم لا لتجربة السرفاتي فقط، بل لتقييم تجربة اليسار ككل.

أحمد سالم لطافي: السرفاتي يعد من الوجوه البارزة في الحركة التقدمية المغربية
من دون شك يعتبر أبراهام السرفاتي واحدا من الوجوه البارزة في الحركة التقدمية المغربية .
شخصيا، تعرفت عليه في سبعينيات القرن الماضي كمناضل في الحزب الشيوعي المغربي. وقد كان الراحل، بحق، رجلا مؤمنا  بمبادئه ومتمسكا بها.  
بطبيعة الحال، افترقت صيغ نضالنا في مرحلة معينة من عشرية السبعينات. لكن علاقاتنا لم تتأثر  بدليل أنني كنت مواظبا على زيارته بالسجن لسنوات طوال.
وبوفاة أبراهام السرفاتي نفقد اليوم شخصية بارزة قدمت خدمات جليلة للمغرب، ونفقد أولى الأطر التي استفاد منها المغرب فجر استقلاله حين كان مهندسا للفوسفاط.
ولا يسعنا اليوم إلا أن نقول وداعا لأحد أبرز وجوه الحركة التقدمية المغربية الذي كانت مقاربته الأخيرة للقضية الوطنية الأولى متزنة، وعطاءاته النضالية وافرة.

عبد الحميد أمين: السرفاتي ساهم بنضاله ضد الصهيونية في وضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح
لقد عايشت أبراهام السرفاتي لمدة طويلة تمتد إلى 30 سنة من 1970 إلى 2000. لكن بعد هذا التاريخ لم تكن لدي علاقة وطيدة معه كما في السابق.
عرفت السرفاتي طيلة سنوات الفترة من 1979 إلى 1984، حيث عشنا في السجن المركزي بالقنيطرة إلى أن تم نفيه  بعد ذلك إلى فرنسا. وعرفته أيضا لما كان منفيا حيث كنت أزوره باستمرار إلى أن عاد إلى المغرب، آنذاك لم أعد أراه إلا قليلا.
لكن سأحتفظ في ذاكرتي بالنسبة لأبراهام السرفاتي كونه المناضل الوطني الذي واجه الاستعمار من موقعه كمناضل في الحزب الشيوعي المغربي وفي الشبيبة الشيوعية، وقد أدى ثمن ذلك من خلال تعرضه للاعتقال وللتعذيب والنفي بفرنسا.
كما سأحتفظ بذكراه باعتباره ذلك المناضل الصلب الذي واجه النظام اللاديمقراطي الذي كان سائدا في المغرب. وأيضا باعتباره المناضل الذي حمل قضايا وهموم الجماهير الشعبية، وقضية النضال من أجل الاشتراكية وقد أدى ثمن ذلك أيضا من خلال السجن لمدة 18 سنة إضافة إلى قساوة النفي.
كما أن السرفاتي كان مناضلا صلبا ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية. وأظن أنه بصفته يهوديا مغربيا فقد ساهم بنضاله ضد الصهيونية في وضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح باعتبارها قضية حركة تحررية في مواجهة الحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية، وهو ما شكل طرحا مخالفا للطرح الآخر الذي أراد أن يجعل من القضية الفلسطينية حربا ضد الأديان وضد المعتقدات. وسنواصل النضال على نفس الدرب الذي سار عليه.

المحجوب أيت غنو*: رجل تميز بنزاهته الفكرية
تعرفت على أبراهام السرفاتي في سنة 1970 في إطار معركة عمالية خاضها عمال منجم قطارة بنواحي مدينة مراكش. كان يتابع معي مجريات هذه المعركة العمالية التي كانت وراء كتابتي لأول مقال صحفي في حياتي بإيعاز منه.
صدور المقال في مجلة أنفاس كان بداية لنشاط سياسي جمعني بالراحل، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، حيث سنتقاسم سوية الحياة السرية والسجون والمعتقلات، إلى أن فرقتنا الخلافات السياسية، التي لم تكن مع ذلك بقادرة على أن تمحو ذلك الاحترام المتبادل الذي طبع علاقتي به.
ويمكن القول أن أهم ما كان يميز أبراهام السرفاتي هو تشبثه باحترام الرأي الآخر، سائرا بذلك في الاتجاه المعاكس لما كان سائدا في مرحلة معينة من تاريخ المغرب، قضيت معه خلالها 15 سنة من السجن، بعد صدور حكم غيابي بالسجن المؤبد في حقنا معا.
وليس للراحل هذه الخاصيات فقط. ولعل أبرز ما كان يعجبني فيه هو نزاهته الفكرية، ولجوؤه المتواصل إلى المراجعات الفكرية والسياسية التي جعلته يتراجع عن الكثير من الأطروحات التي كان يدافع عنها في مرحلة معينة من حياته. بل أكثر من ذلك، دافع عن أطروحات قريبة جدا من أطروحات الأسرة التقدمية المغربية وهو في أواخر أيام حياته.
* عضو اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية

سيون أسيدون: أنا عربي يهودي مناهض للصهيونية وأدافع عن فلسطين
من جملة الكلمات والخطب والشعارات التي قالها وتغنى بها أبراهام السرفاتي لم تتشبث ذاكرتي إلا بجملة واحدة ترفض الزوال من مخيلتي ومن كل العبارات التي تتسابق إلى شفتاي حين ألقاه أو أتحدث عنه وهو غائب.
قال لي يوما. ولم يكن يوما كباقي الأيام. كان يوما من أيام يونيو من سنة 1967 . قام أبراهام السرفاتي وقال أمام الملأ : «أنا عربي يهودي مناهض للصهيونية وأدافع عن فلسطين» .
كانت هذه العبارات كافية لتؤكد للجميع أن أبراهام السرفاتي ينتمي لهذه الأمة  وللمغرب. وفي لبلاده وللعروبة، معاد لكل محتل ولكل صهيوني يغتصب الأرض ويقتل أطفالها ونساءها وشبابها وشيوخها.
كانت هذه العبارات كافية بالنسبة لي لأعرف هذه الشخصية المغربية اليهودية الكبيرة التي لن أنساها ما حييت.


blog comments powered by Disqus
back to top