حي ليساسفة.. الداخل مفقود والخارج مولود

منطقة ليساسفة التابعة ترابيا لعمالة مقاطعة الحي الحسني، مرت بمجموعة من التحولات الكبرى ممثلة في استقبالها للهجرات القروية إبان فترات الجفاف الذي عرفه المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، وإيوائها لساكنة دور الصفيح التي كانت متواجدة بالعاصمة الاقتصادية، والتي تم ترحيلها إلى تجزيئات سكنية أحدثت بالمنطقة سنة 1989. هذه التحولات كانت له أثر سلبي على المنطقة وجعل حجم الإكراهات بها كبيرا.

في دروب وأزقة الأحياء الشعبية لليساسفة، هذا التقطيع الترابي الذي يصل عدد قاطنيه 160 ألف نسمة، تلوح للمتجول مشاهد لتدفقات الأنشطة المختلفة للباعة المتجولين، وهي تكاد تسيطر على كل الأمكنة بلا استثناء للممرات والأرصفة المخصصة للراجلين ولا الطرقات المحددة لعبور السيارات.
فالملك العام في هذا “الربوع” مباح، واستغلاله لا يتطلب سوى التوفر على فراشة أو طاولة خشبية أو عربة مجرورة بدابة، من أجل عرض السلع سواء في ساحة عمومية أو بمكان قرب مسجد او… او…
فلا بد للمتجول في حي ليساسفة أن يتعرض للازدحام جراء ما تخلفه الاستغلاليات العشوائية للملك العمومي هنا أوهناك عبر هذا الزقاق او ذاك، في كل اتجاه لا بد للمرء أن يسير بمحاذاة وسيلة من وسائل النقل، فالرصيف أو ممر الراجلين، مصلحات محذوفة من ” قاموس” هذه المنطقة.
وفي هذه الفوضى العارمة قد تكون حياة عابر السبيل مهددة بخطر التعرض لحادثة سير، فقد تكون هناك سيارة يقودها صاحبها بسرعة جنونية أو سائق شاحنة كبيرة مشتتة الانتباه…
وسط هذه الحركة المكثفة لسير الراجلين الذين يتدفقون في الشوارع والازقة، أو لوسائل النقل التي تستعمل المدخل الجنوبي ليساسفة للمرور، من طلوع الفجر إلى آخر ساعة من الليل، قد يتعرض المواطن للسرقة أو اعتراض السبيل، كما قد يتعرض للروائح الكريهة التي تخلفها بقايا وفضلات أنشطة البيع بالتجول.
“بيان اليوم” قامت بجولة في دروب وأزقة ليساسفة، حيث وقفت على مجموعة من المظاهر السلبية التي تجعل الحديث مستحيلا عن التنمية في هذه المنطقة التي يشاع بأنها غنية، غير أن آثار هذا الغنى لا تظهر على أحوال ساكنة المنطقة ولا على العمران فيها.
        
سوق القصبة.. سلع ومعروضات وسط الأزبال وروث الدواب
سوق “القصبة”.. ليس في الأصل سوى شارع يفصل بين ليساسفة 2 وليساسفة 3، تم تحويله إلى أكبر فضاء لعرض الخضر والفواكه والتمور وغير ذلك من السلع والمعروضات.
على امتداد هذا الشارع وفي الازقة المتفرعة عنه في كل الاتجاهات، هناك باعة متجولون واستغلال فاضح للملك العام. لحوم حمراء وبيضاء فوق “طاولات” مصنوعة من الخشب، وحده الله يعلم مصدر يطرحها جزارون للبيع فوق طاولات بعضها مثبت فوق ركام من الأزبال وتحتها تجري المياه العفنة الناتجة عن مختلف الاستعمالات الخاصة بالأنشطة المقامة بالسوق. مشهد في الحقيقة مقزز تؤثثه عربات ملطخة بالأوساخ يعرض أربابها السمك في ظروف تغيب فيها أدنى شروط السلامة.
صياح الباعة يدعون الزبناء لزيارة “أروقتهم” واكتشاف سلعهم، مناداة بأعلى الأصوات لجلب المتسوقين  في  كل مكان من هذا السوق الذي يضم أيضا باعة الأواني والملابس الجديدة والقديمة، بل حتى بعض الأشياء التي قد تعتبر غير صالحة للاستعمال من أدوات كهربائية ومتلاشيات منزلية تجد من يعرضها للبيع في هذا الفضاء.
في الواقع، قد لا يثير الاستغراب لدى مرتادي السوق وجود قطعان من البقر والأغنام ترعى هنا وهناك على الأزبال ونفايات الخضر، كما لا تثير دهشة المتعودين على ارتياد هذا المكان، الكلاب الضالة التي تتجول بكل حرية بين الخيام البلاستيكية وبالقرب من الموائد الخشبية للباعة المتجولين.
ومن بين هذه المشاهد التي أمست مألوفة، تبرز أسراب من طيور النورس والتي تغير لونها من الأبيض إلى شبه أسود، من فرط التلوث بالنفايات التي تقتات عليها في هذا الفضاء الذي يجعل المتجول فيه يعتقد أنه في سوق اسبوعي بجماعة قروية. في إطار هذه الجولة التقت بيان اليوم عبد القادر وحيد أحد قاطني الشارع المذكور، وسألته عن وضعية هذا السوق المترامي الأطراف والتي تضر بسلامة البيئة وصحة ساكنة المنطقة. وفي رده على سؤال الجريدة، صب هذا المواطن جام غضبه على مسؤولي الجماعة السابقين وعلى السلطة المحلية التي تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذه الوضعية. وأفاد عبد القادر، بأن أغلبية الباعة المتجولين ليسوا من أبناء المنطقة بل جاءوها في إطار الهجرة القروية خلال فترات الجفاف بحثا عن العمل والاستقرار، مبرزا، أن أكثرية هذه الفئة التي استقرت في السكن العشوائي المنتشر بكثرة في ليساسفة، كان أملها الظفر بفرصة عمل بإحدى الوحدات الصناعية المتواجدة بالمنطقة والتي يبلغ عددها 250 وحدة وتشغل أكثر من 20 ألف فرد.  وواصل المتحدث كلامه، أن من بين هؤلاء القرويين الذين قدموا من مختلف المناطق للاستقرار في المنطقة، من استقدموا أشخاصا آخرين من معارفهم وعائلاتهم وأووهم في البيوتات العشوائية، وأنه أمام انسداد الأفق أمام هؤلاء تعاطوا لبعض الأنشطة غير المهيكلة كأعوان في البناء والصباغة ومنهم من صار بائعا متجولا…  واستطرد المتحدث، أن بعض المستشارين وجدوا في هذه الظاهرة ضالتهم، فهي تكرس هيمنتهم وقوتهم الانتخابية ولذلك شجعوها كخلفية وقاعدة لجمع الأصوات وضمان النجاح في الانتخابات.

موقع ليساسفة بالمدخل الجنوبي جعلها وجهة مفضلة للاستقرار
وفي سياق جولة بيان اليوم بمنطقة ليساسفة، التقت حسن العزراوي فاعل جمعوي الذي تحدث عن المنطقة، مفيدا في معرض كلامه، أن موقع ليساسفة بالمدخل الجنوبي للبيضاء، جعلها وجهة مفضلة للاستقرار لكل من غادر قريته في السنوات العجاف التي عرفها المغرب 79/ 80 و81، موضحا، أن الهجرات القروية رفع من عدد ساكنة المنطقة وأحدث بها خللا كبيرا ظهر لا حقا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي، مشيرا في خضم حديثه، إلى أن هذا الخلل تعمق سنة 1989 بترحيل سكان دور الصفيح المنتشرة بكثرة في العاصمة الاقتصادية، إلى المنطقة حيث سلمت لهم تجزئات سكنية أقاموا فوقها منازل من دون تصميم، وحدث أن السكن العشوائي الذي كان أفقيا أصبح عموديا. وتابع المتحدث، أنه بإقرار نظام وحدة المدينة سنة 2003، ألغيت بلدية ليساسفة التي تضم أحياء 01 و02 و03 والتي تشكلت بصدور التقسيم الجماعي والإداري سنة 1992، لتصبح مجرد حي في دائرة ليساسفة-النسيم، التابعة لمجلس مقاطعة الحي الحسني. يقول المتحدث، هذه التدفقات السكانية لم توازها مواكبة على مستوى البنيات التحتية الضرورية من إحداث للدور الثقافية والرياضية والمؤسسات التعليمية والمراكز الصحية. فلا غرابة يضيف المتكلم، أن تعاني المنطقة اليوم من تشوهات على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وتابع المتحدث، أن ظاهرة البيع بالتجول ليست وحدها ما يؤرق بال ساكنة ليساسفة، بل أيضا ظاهرة الإجرام المستفحلة من دعارة وسرقة واعتراض السبيل والمتاجرة في المحظورات، وهي نتيجة حتمية لكل تخلف تنموي.
فالمنطقة حسب هذا الفاعل الجمعوي، باتت مرتعا خصبا للأفعال والسلوكات الإجرامية لبعض الأشخاص الخارجين عن القانون الذين يستغلون الوضع الأمني في ظل ضعف المعدات اللوجستية والموارد البشرية لرجال الشرطة، موضحا في هذا السياق، أن سيارة واحدة أو سيارتين في أحسن الأحوال، و10 رجال شرطة أو أقل من ذلك بالدائرة الأمنية ليساسفة، غير كاف لتأمين التغطية الأمنية لأزيد من 160 ألف نسمة في المنطقة دون احتساب التجزيئات السكنية الحديثة نموذج تجزئتي صوفيا والراحة…
في ظل هذا الوضع، يقول المتحدث، أمسى المواطن، المتوجه إلى عمله لا يأمن على نفسه ولا على أفراد أسرته من حملة السيوف والسواطير المتربصين بالكادحين الذين يسعون لتحصيل لقمة العيش، فالداخل للمنطقة مفقود، والخارج منها مولود، يضيف القائل. واستشهد المتحدث في هذا الصدد، بما وصفه بالهجوم مؤخرا على حي ليساسفة 3، من قبل ثلاثة اشخاص قال إنهم كانوا محملين بالسيوف والسواطير وألحقوا اضرار مادية السيارات المركونة في الحي وأشبعوا أهله أنواعا من السباب بأقبح الألفاظ في غياب تام للأمن.

فاطمة والهورشمت

Related posts

Top