تاريخ الحروب.. -الحلقة 3-

تدفع الحرب الروسية – الأوكرانية التي تدور رحاها بأوروبا الشرقية، والتي أججت التوتر بين الغرب وموسكو وتنذر باتساع رقعتها نحو، ما وصفه مراقبون، “حرب عالمية ثالثة” لها تكاليف باهظة ليس على المنشئات والبنية التحتية فقط وإنما على مستوى الأرواح وعلى ملايين الناس الذين تنقلب حياتهم رأسا على عقب، إلى تقليب صفحات الماضي، لاستحضار ما دون من تفاصيل حروب طاحنة جرت خلال القرن الماضي، وبداية القرن الحالي.
في هويات متداخلة، كما في روسيا وأوكرانيا، لم يبق أحد خارج الحرب. انتهت الحروب وحفرت جراحا لا تندمل وعنفا لا ينسى. وفي هذه السلسلة، تعيد “بيان اليوم” النبش في حروب القرن الـ 20 والقرن الـ 21 الحالي، حيث نقدم، في كل حلقة، أبرز هذه المعارك وخسائرها وآثارها، وما آلت إليه مصائر الملايين إن لم نقل الملايير من الناس عبر العالم..

الحرب العالمية الثانية.. حرب غيرت وجه العالم

بعد الحرب العالمية الأولى وما خلفته من خسائر في الأرواح والبنيات التحتية بأوروبا، وبعد العقوبات التي فرضتها قوات الحلفاء (إنجلترا – فرنسا – الاتحاد السوفياتي) على دول المحور بقيادة ألمانيا، بعد التوقيع على معاهدة فرساي سنة 1919، والتي تضمنت بنودا عقابية لألمانيا، خسرت بموجبها 12.5 بالمئة من مساحتها و12 بالمئة من سكانها، وحوالي 15 بالمئة من إنتاجها الزراعي و10 بالمئة من صناعتها و74 بالمئة من إنتاجها من خام الحديد، ستشتعل نيران الثورة داخل البلدان المنهزمة.
في يناير 1933 ستعرف ألمانيا صعود المد النازي للحكم، وقبلها في 1922 صعد الفاشيون لسدة الحكم بإيطاليا، ليقوم الطرفان بالتحالف بينهما، وعرف هذا التحالف أيضا بـ “دول المحور”، ثم ستنضم إليه فيما بعد اليابان، وهنا بدأت مجموعة من المناوشات، فبالإضافة إلى كون اليابان كانت دخلت عسكريا إلى الصين، بدأت ألمانيا في تدخلات عسكرية بعديد من دول الجوار، فيما بدأت إيطاليا هي الأخرى استعدادها لاجتياح ألبانيا.
في مارس عام 1938، سيقوم أدولف هتلر باحتلال النمسا، كما سيحتل في 1939 تشيكوسلوفاكيا وبعدها بولندا، ومع تنامي تهديدات إيطاليا باحتلال ألبانيا واجتياحها، أمام هذا الوضع ستعلن في 1939 كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على دول المحور.

سيطرة ألمانية على أوروبا

بعد إعلان فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا، ستوجه هذه الأخيرة قواتها إلى المواجهة المباشرة مع المملكة المتحدة وفرنسا، وقصفت برلين لندن، وستشتعل الحرب بقوة، وعرفت إحراز تقدم كبير لهتلر سواء على الجبهة مع فرنسا أو على الجبهة الأخرى مع بريطانيا.
كما سيقوم تحالف دول المحور بغزو الاتحاد السوفييتي فيما يعرف بعملية بارباروسا، ما أدى إلى إشعال الجبهة الشرقية، وهي أكبر مسرح للحرب في التاريخ، ما جعل كبرى دول المحور في حرب استنزاف، وهكذا استمرت الحرب الطاحنة في أوروبا على اكثر من جبهة بالنسبة لألمانيا، التي وبالرغم من تعدد جبهاتها إلا أنها كانت تحقق انتصارات كبيرة، حتى أن ألمانيا استطاعت احتلال باريس ودحض الجيش الفرنسي.
في دجنبر 1941، وفي إطار حربها مع الصين، ستعمد اليابان إلى الهجوم على ميناء بيرل هاربر، كما هاجمت منطقة ملايا البريطانية في المحيط الهادي، فسيطرت سريعا على جزء كبير من غرب المحيط الهادي، وكان هذا الهجوم مرده إلى فرض الولايات المتحدة الأمريكية حظرا بتروليا على اليابان ومنع تصدير الحديد إليها.
مع هذا الحادث، ستعلن الولايات المتحدة الأمريكية الدخول في الحرب إلى جانب دول الحلفاء، والذين سبق وأن انضمت إليهم الصين التي كانت في حرب متواصلة مع اليابان، وهو ما أدى إلى دعم القوات الأمريكية للصين وإمدادها بالأسلحة، لتنطلق الصين في حرب مضادة كبدت خلالها اليابان خسائر بالجملة.
مع هذه المتغيرات سيتوقف التقدم العسكري لدول المحور عام 1942، وذلك عندما خسرت اليابان في معركة ميدواي بالقرب من ولاية هاواي الأمريكية، كما خسرت ألمانيا في معركة العلمين الثانية شمال إفريقيا، كما هزمها الاتحاد السوفييتي فوزًا حاسمًا في معركة ستالينغراد.
وفي عام 1943، تلقت ألمانيا سلسلة هزائم على الجبهة الشرقية، كما قامت دول الحلفاء بغزو صقلية، وغزو إيطاليا الذي أدى إلى استسلام إيطاليا، إضافة إلى انتصارات الحلفاء في المحيط الهادي، ففقدت دول المحور زمام المبادرة وبدأت تراجعا استراتيجيا في كافة الجبهات.

إنزال النورماندي

في يونيو 1944 قامت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال الأميركي دوايت آيزنهاور بإنزال عسكري في شمال فرنسا على شاطئ النورماندي، وأُنزل أكثر من مائتي ألف جندي، أغلبهم من الأميركيين والبقية من بريطانيا وكندا وفرنسا. حيث قام الحلفاء بتحرير فرنسا فيما يسمى بالإنزال النورماندي، في حين استعاد الاتحاد السوفييتي جميع المناطق التي خسرها وقام بغزو ألمانيا وحلفائها.
وفي العامين 1944 و1945 تراجعت اليابان في جنوب وسط الصين وفي حملة بورما، في حين قام الحلفاء بشل حركة البحرية الإمبراطورية اليابانية وسيطرت على الجزر الرئيسية في المحيط الهادي.
أمام هذا الوضع، توقف بشكل تام التقدم العسكري لدول المحور التي بدأت تتراجع بقوة، خصوصا على مستوى إيطاليا، وذلك بعد قيام الحلفاء بغزو صقلية، وغزو إيطاليا الذي أدى إلى استسلام إيطاليا، إضافة إلى انتصارات الحلفاء في المحيط الهادي، التي أفقدت دول المحور زمام المبادرة بشكل تام.

استسلام ألمانيا.. وأول استعمال للقنابل النووية

بعد دحضها على مستوى أكثر من جبهة ومحاصرتها، أعلنت القوات الألمانية استسلامها بشكل رسمي في أبريل عام 1945.
وبالرغم من استسلام ألمانيا بقي اليابانيون يقاومون، ولم تتوقف الحرب بشكل نهائي إلا بعد قصف مدينتي هيروشيما وناكازاكي بقنبلتين ذريتين، واللتين تعتبران أول قنبلتين نوويتين يتم استخدامهما في التاريخ، بحيث ألقيت القنبلة الأولى على مدينة هيروشيما في 6 غشت 1945، وكانت قنبلة يورانيوم تزن أكثر من 4.5 أطنان، وأخطأت الهدف قليلا، لكنها أدت إلى مقتل 66 ألف شخص بشكل مباشر، فيما جرح 69 ألفا بسببها. أما القنبلة الثانية فألقيت على مدينة ناكازاكي في 9 غشت 1945، وكانت قنبلة بلوتونيوم، وأسقطت وسط المدينة، إذ أدت في لحظة واحدة إلى مقتل 39 ألف شخص، وجرح 25 ألفا من سكان المدينة، وعلى إثر ذلك، وقعت اليابان وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط يوم 2 شتنبر 1945.

خسائر فادحة في الأرواح

تعد الحرب العالمية الثانية من أكثر الصراعات العسكرية دموية على مر التاريخ، إذ قدر إجمالي عدد ضحاياها بأكثر من 60 مليون قتيلا مثلوا في ذلك الوقت أكثر من 2.5 بالمئة من إجمالي تعداد السكان العالمي.
كما أدت الحرب إلى مقتل حوالي 17 مليونا من العسكريين من الطرفين، دول المحور ودول الحلفاء، فيما فقد الملايين أيضا من الطرفين وتم وضع مقابر جماعية للملايين بأوروبا وآسيا وبشمال افريقيا التي وصلتها هي الأخرى شظايا الحرب.
بالمقابل، أدت هذه الحرب إلى تغيير معالم السياسة الدولية وتغيير العالم بشكل كبير، حيث أعلن عن تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وتشكيل خريطة القوى الدولية الجديدة بعد الحرب وبروز الولايات المتحدة الأميركية فاعلا رئيسيا في النظام الدولي الجديد، وإنشاء هيئة الأمم المتحدة لتكريس الخريطة الجديدة.
كما تم وضع آليات دولية لحل النزاعات وتفادي الحروب، كما نص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي الذي تأسس عقب الحرب، وعُقدت أولى جلساته في 17 يناير 1946، ويتكون المجلس من خمسة أعضاء دائمين لهم حق النقض، أو كما يسمى بحق الفيتو وهم دول الحلفاء التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية: الاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا)، والصين، فرنسا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية.

> إعداد: توفيق أمزيان

Related posts

Top