غطرسة الروح

ويدنو الليل وينأى الليل ساعة، وساعتين وبعد الفجر، وبعد الليل حزن ودخان يشبه ذاك الحلم، أتسابق مع طيات الدهر، وليس يكفيني ماء ليغسل هذا الوحل عبثا من على وجوه العابرين، وتحاولين، وأحاول، ولا يعتريني خوف أو رهبة من جهارة الروح وأفتح نافذتي عند ذاك المنعطف ولا أجد سوى الضوضاء وأشيائي المبعثرة .
ليحاورني الراء عن مجاله بين الكلمات من حيث لألئ البعث،  فتلمع الروح ولا أهرب،  ولا أمل، ولا أتقاسم الكلام مع المالك الحزين حين يعتري الكون الشحوب القاتم .
تلك روحي، روح تاهت عن جوهره فرقدت عليلة ولا زالت تتثاءب وتغالب نعاسها في ذاك الركن القصي، ولم تبصر ما تبقى لها من الأحلام، وقد جافاها الأمان ولكم من هذا يحدث لي، ولا يزعجني، وهذا ما يزعجني، أخشى التحول إلى شخص آخر لا يعرفني .
وريح غصت بغباره ومطر شفيف يهمي فضحكنا، وبكينا معا، وجلسنا في آخر العمر، وفي عتمة الدرب، وتهنا، ورحلت عصافير الوحدة إلى أعشاشها ولم نيأس فتجثم الزهور الحمراء الأثيرة على ذاك النزف الغزير، ولازلنا ننتظر.
وياء يم بلا بوصلة أو أشرعة، سكتت عن الكلام المباح، تهالكت السحب من حولها، وكأنها الهلع يمشي على خرائط الروح، فتكورت في مهدها وحيدة .
وتلك يمين مقطوعة حد الكتف في كوة منسية، فتحتلني برهة من الزمن كلما حاول أن ينفذ منها الأمان بقسم كاذب.
وياقوت مزيف دنت منه الشمس صاغرة حين غرتها نفسها، تقدح كلجج من البركان علني أجد راحتي، وألمح سقفا هشا تعلوه سحب من ضجر، وما تبعثر من زجاجي العابر بين مفازات الليل العقيم .
 وأتساءل هل من الممكن أن أخفيها خلف ذاك القناع المتين؟
ما أفصحها ألسن أيامي قبل أن تفنى بدموع مخمورة، وقد أقبل الفجر ولم تزل، ولم أستطع منها أن أطير، لأتناثر كشظايا من الأسى، وما أبدع حروفها، تجعلني أجد شكيمتي،  فأرمي بيدي لافحا مراميه، من شدة توهج شوقي وكم كانت ناعمة الملمس، خجولة، تغزو عنان أحلامي وتأخذ به مبهما إلى حيث لا أدري .
ثم راح هائما، وقلبه على عكازه يتلوى، يرسم بسماته على برنس عروسه العذراء الناضرة البتول ويبحث في أقبية الوجع عن الذكرى وهي تختلي بنفسها ترفعا.
فقلت في نفسي :
 أحني فتنزهك سيزول بداخلي، وما أبدعك يا صولجاني، وإني خشيت أن تأخذ مقامي وتحل مكاني، أن تتسنم الصولة بغير حق ومن دون عنوان .
هسسس…
فالحاء حبر، يبث أنفاسه الصاخبة كقبضة الرياح، ليعتصر موسما بلا زرع مودة خائنة، مراوغة لم تبتسم لها الشمس ذاك الصباح وهي كمقصلة أفئدة مسها شيء من مسودة شاعرة .
أو كحلم يتكور داخل محارة خاوية، معرضة للصدى تزف الرحيل، وانقضت بين ظلاله لحظات الوهم، وانجلت السحب، وغمرها الضعف وبعض من وهن، وكأن الشيب خط على أفقها ذاكرته كي ترتعد من خطوات الزمان، وتهجع باكية بلا انشراح، لتنثر فوق الجفون كحلا مسموما لبقايا عابرة تسلك خريف العمر، فوق الجمر وتمتطي رذاذ ذكريات بإطلالة تبعث الكآبة في ناظريها، وكل ألوانها فقدت رونقها للشكوى، حين ذبل ناظرها بأنين النجوى، وشقوة الأحلام على أعتاب خريفين أو أكثر ليتسلل إليك حلم قديم يفسد كل شيء ويخبرك أنه مازال هناك شيء عالق في ذاكرتك ولم تتجاوزه  بعد .

كان الأمر غريبا في بدايته، برد الخوف في صدري تساقطت منه حبات التعب دافئة، لتطبع على جبين الجدد قبلة هادئة، بنكهة التراب، ورائحة البخور، وسرا وئيدا وليلا طويلا، يتقدم ببطء يجلس في أحد الأركان، على أريكة مريحة، يتدأدأ يمنة ويسرة وليل داج ينثر العتمة في المساحات رشفة ، رشفة ، وعمرا آن له أن يتشظى .
 وفناجين الزمن تشرب بلا كلل، بغصة تنهش بأنيابها التقوى ومصير أجوف وضلوع تتلظى، وقد كانت تعانقني وحدتي، ويسخر مني مللي، وأنيني، وألمي، وفرحي، والبلوى، بقاعة تعم أرجاءها هسهسة السكون.
غزيرة هي المعاني حين تنبع من جوف كياني، وأرفف وأعلو وأتدلى بجسد عتيق من خشب، وكنوز يكسوها الغبار، ولم ترث لحالي بإشراقتها، لتحل خيوط النور عليها ضيوفا، فتزيدها بريقا ورونقا، وعرائس هي ومن ذهب.
فلم تبتسم لي الشمس ذاك الصباح، وبكت حتى مل من كلينا الدمع والأبواب المغلقة، خلف المؤقتة، تستعد منها الروح للعبور ورحلت، ثم دنوت منها بخفر، وقلب فياض تعفره الأماني في حوض ذاب من لهفة، جنوني وهذياني، وأرحل كي أبقي للبحث عني، وأنسى أن أواسينني وأفقدني، وأفقد ملامح وجهي على هذه الأرض المهملة، لأنتظر من يواسي عتمتي حين ينتصف القمر على جبين روحي  .
أمد يدي ألامس ذاكرتي، أداعب حبات ترابها،  وأعفر بها فرحي وحزني عساها تغدو سنابل متموجة، تشم لحظة وتقطف ذكرى، تمد يدها وتمد، ولكنها لا تلامس سوى حلم بعيد متعب، وصورة محفورة على جيدها وبعض من الحنين والدمع .
اشتاق لصوت الصمت وعمقه، اشتاق للحظة أغمض بها عيني، فتنصهر فيها ذاكرتي وتذوب مع الوقت، والفرح، والعمر، والهمس، فتظل للأزل، ولن تزورني اليوم ولن تزورني غدا .
كفاك أيتها الروح غطرسة، صرت طمول، وقارئة الفنجان تنعي هجرة الطيور، وتربت على الفوضى دمعة، دمعة، وحضنا،  حضنا، فقد صار التلويح لنا كفنا، ومنفى، والحرقة تعتصرها  .
 ويا أيتها النفس المتعبة دوما متى تكفي ولك أن تفكي عن ضفيرة فجري أحلام طفولته؟
متى تريحي سماء الأمنيات البعيدة؟
متى تمنحي الهدوء؟ 
ومتى تنمحي السكينة؟ 
ويا أيها الحلم البعيد، أيها الحلم القريب، أيها الساكن في دواخلي أبدا، أيها المحفور في ذاكرتي أبدا، ليتك تسقط، وليت الخريف يسقط من قاموسي، إن الخريف لا يسكن ما نريد بل يسكن ما يريد وينحني على ظلي المائل بدرجة اليقين .
 والآن ها هي الصور تتوالى واحدة  بعد الأخرى، داخل حصني، فإذا بها قريبة بعيدة، رغم الوحدة القاتلة ورغم الغربة، تمتلئ بها المآقي لتتنهد بالدمع، والنفس المرهقة المتعبة والصور، ما عادت وحدها تكفي، إنه الحنين يقتلها، إنه الشوق يعتصرها لتهرب إلى الذاكرة، تنبش فيها بين الصور وتخرج تلك الحسرات التي لم تهاجر صدري، تعذبني على مشارف البعد، وترميني في نقاهة الروح التي طالما جاهدت للحفر بعيدا عنها بل عميقا، وبأدق التفاصيل وأبدعها.
يغلبها النوم، ينقطع شريط الذكريات، ولكن لا ينتهي الحلم، لا تختفي الذكرى، أو ربما  تتخفى ولكن أبدا لا تختفي، تتخفى وراء فرحة بائدة زائفة، تتخفى وراء سكينة واهمة، يعتصرها الحزن فتنام على أمل أن يمحو الليل آهات النَفس المتعبة. 
وعندما تصحو ماذا تجد؟
لا شيء فقط تتخفى، وراء نسق الحياة المسرع المتعب المرهق، ولكن أبدا، أبدا ،  لا تختفي هذا حدسي وأعلم أن حدسي يهذي، ولا يكذب، ولن أزوره اليوم ولن أزوره غدا .
ها هي النفس المتعبة تعود إلي، وأشلاء قصص الغياب ترويها رائحة التراب، وتبيح للحلم العطش فوق جزري بعض من ماء، ها هي الذات تعيدها الذكرى، وترتشف نبيذ الحلم وتغرس بصدري أوجاعا صلبة، ذكرى دفنت عميقا، عميقا جدا، ذكرى خلتها انصهرت، ولكن هيهات لهذه الذاكرة أن تمحو أو أن تتعب، قد يستغرق الأمر يوما أو ساعة، قد يستغرق لحظة أو دهرا حتى تعود إلى سباتها، وحتى تتخفى ولكن ككلمة، كرائحة، كصورة، كمصادفة، أجل مصادفة أو خيال معجون بمطر الخريف الهارب، فتعود الذكرى من رحم جنون الفصول يفجرها الحزن، ويفجرها الألم، فتنتفض لتلملم عن أرصفتها ركام ما تبعثر مني، وأنا أرتق الأيام سهوا. 
تبا.. 
حجرتي الرطبة، وذاكرتي، واغتصاب الوقت، ولست أبالي بكل ذلك، لربما تنتفض مرايا سمائي المكسوة بثقوب العتمة، ووحده الصمت يقرع بابي المغلق ويرحل، يسكن النوافذ، وما يؤلمني عـري روحي حين يرقب شمسي المودعة، وأنا بعيدة عنها، يخترق سقفها والنورس يحلق فوقها، ما يؤلمني عجزي عن التقاط أوراقها، من شوارعها الوحيدة  .
لا قمر بالليل يؤنس وحدتها، ليت الخريف يسقطني من أغصان تلك الغربة إلى ذاتي، ليته يسقط فرحتي إلى روحي وأشيائي الصغيرة عند طلوع كل شمس، لأفتقد أنفاسي وأجلس فوق حصيرة قش أتخيل وجهي، أحدق بصوتي، وأتتبع آثار همساتي، وكنت أراني صوب كل شهقة في البراري أرتق هذياني، أزرع البقاء على أرصفة المساء من حولي، وأفتح النداء ليعبرني، وكل شيء كان جميلا وبريئا من حولي  .
    ثم، لا وجه باسم على مآثري المدفونة بملامحي، ولا أحد يهديني صوت الدفء بداخلي، ويسرق مغتصب الماضي بذاكرتي، تدق الطبول لترسم ملامح نهار أبيض بجوانحي، وكل الأشياء في قلادتي،  فأحتفظ بالوقار وكل الأحلام الرمادية تخبو في ضوء مصباحي، لأركض فوق سطح قرطاسي، أقدح زنادي، وأوراقي البالية، فتسقط اللحظات من تفاصيل أبجدية النبض حتى وإن كان العمر يهذي .

بقلم: هند بومديان

الوسوم ,

Related posts

Top