2021-2030 .. عقد علوم المحيطات واستعادة النظم

من المنتظر أن تحتضن العاصمة الباكستانية إسلام أباد الاحتفالات الرسمية باليوم العالمي للبيئة شهر يونيو المقبل تحت شعار ”استعادة الأنظمة البيئية”، حيث ستركز احتفالات هذا العام على إعادة ضبط علاقة الإنسان بالطبيعة، بعدما أطلقت جمعية الأمم المتحدة للبيئة عقدا لاستعادة الأنظمة الإيكولوجية، حيث ينتظر من العديد من الجهات الفاعلة أن تقدم مساهمات مهمة في مجال المصالحة مع الطبيعة بما في ذلك منظمات المجتمع المدني البيئي الدولية، ولكن في الوقت الذي وافقت فيه جميع الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة على الاستراتيجية الجديدة متوسطة الأجل 2021-2025 لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لاستعادة المنظومات الايكولوجية عبر إطلاق التحالف العالمي للاقتصاد الدائري، عرفت المعركة ضد الاحتباس الحراري تراجعا خطيرا، حيث أن الالتزامات المناخية الأخيرة التي قدمتها مجموعة من الدول الموقعة على اتفاق باريس لا تزال “بعيدة جدا” عن الأهداف المحددة.

 

عقد علوم المحيطات.. عقد الأمل

التأثير المشترك للمساهمات الجديدة أقل من 1٪ من تخفيض الانبعاثات بحلول عام 2030 بعيد جدا عن نسبة 45٪ اللازمة للبقاء أقل من 1.5 درجة مئوية، وفقا لتقدير هيئة خبراء المناخ، حيث كان على مائتي دولة موقعة على اتفاق باريس تقديم مساهماتها المحددة وطنيا والتزاماتها المعدلة قبل 31 دجنبر 2020، لكن 75 دولة طرف فقط منها الاتحاد الأوروبي قدمت مساهماتها التي لا تمثل سوى 30٪ من الانبعاثات العالمية، بينما يلوح في الأفق مؤتمر غلاسكو للمناخ الذي تم تأجيله بسبب وباء كورونا. يقول أنطونيو غوتيريش: “على الدول الأكثر تلويثا لكوكب الأرض تقديم أهداف جيدة لخفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة أهدافا تكون أكثر طموحا في أفق عام 2030 في مساهماتها الوطنية قبل وقت طويل من عقد هذا المؤتمر في نونبر المقبل”، بينما تؤكد باتريشيا إسبينوزا: “إنه لأمر مدهش أن نعتقد أنه في الوقت الذي تواجه فيه الدول حالة طوارئ يمكن أن تقضي في نهاية المطاف على حياة الإنسان على هذا الكوكب، وعلى الرغم من جميع الدراسات والتقارير والتحذيرات من العلماء في جميع أنحاء العالم، فإن العديد من البلدان تتمسك بنهجها القائم على الوضع الراهن”.
وفي الوقت الذي تستعد فيه هيئة الأمم المتحدة لإصدار التقرير التقييمي الجديد للمساهمات المحددة وطنيا قبل انعقاد قمة المناخ المرتقبة، ينتظر الكثيرون، بحلول ذلك الوقت على وجه الخصوص، تقديم الصين لمساهماتها المحددة وطنيا.
الصين التي التزمت بنهج سياسة الحياد الكربوني في أفق عام 2060 لم تقدم لحد الآن أية مساهمات وطنية جديدة، نفس الشيء ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية، العائد الجديد إلى اتفاقية باريس. وفي انتظار الصين وأمريكا اكتسب الكوكب هذا العام ما يزيد قليلا عن درجة حرارية مئوية واحدة حتى الآن، مما تسبب بالفعل في زيادة الظواهر الجوية المتطرفة من موجات الحرارة إلى العواصف، بما في ذلك الجفاف والفيضانات. ومن بين أكثر الدول المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، نددت الدول الجزرية بـ”الافتقار المروع إلى الحماس والعمل الحقيقي” من جانب كبار الباعثين، حيث أكد أوبري ويبسون رئيس ائتلاف الدول الجزرية الذي يتفاوض من أجل قضية ارتفاع مستوى البحار: “إننا نتعامل بشكل خطير مع حد 1.5 درجة مئوية الذي وافق عليه العالم، إن دولنا الجزرية الصغيرة هي التي ستدفع الثمن إذا لم يتم احترامها. “
وبالرغم من الانتقادات التي وجهت للمساهمات المجمعة التي تم تقييمها في التقرير الأممي المنتظر تقديمه خلال ندوة صحفية، فإن هيلين ماونتفورد من معهد الموارد العالمية تدعو إلى التمييز بين البلدان والأطراف التي قدمت “أهدافا جريئة” مثل المملكة المتحدة أو الأرجنتين أو الاتحاد الأوروبي، وبين دول أخرى تصنع “خسوفا” في تقرير التقييم من قبل هؤلاء “الذين يتخلفون عن الركب” مثل البرازيل أو روسيا أو أستراليا أو المكسيك.
يعتبر التقرير المؤقت لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ إنذارا أحمر لكوكب الأرض، يقول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس حول استنتاجات التقرير: “إنه يظهر أن الحكومات بعيدة كل البعد عن بلوغ مستوى الطموح اللازم للحد من تغير المناخ إلى 1.5 درجة وتحقيق أهداف اتفاقية باريس”. وقدر الأمين العام للأمم المتحدة أن عام 2021 سيكون عاما محوريا للتعامل مع حالة الطوارئ المناخية العالمية، وقال: “العلم واضح جدا ويبرز لنا كيفية الحد من الزيادة في درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية، حيث أصبح من المفروض علينا أن نخفض من الانبعاثات العالمية بنسبة 45٪ بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2010”.
وقالت السيدة إسبينوزا “نهنئ الأطراف التي تصدت للتحديات التي شكلها وباء كورونا عام 2020 ووفت بالتزاماتها بموجب اتفاق باريس وقدمت مساهماتها المحددة وطنيا في الوقت المحدد … ولكن حان الوقت لتعبئة جميع الأطراف الأخرى والوفاء بوعودها وتقديم المساهمات المحددة وطنيا في أقرب وقت ممكن”. واختتمت قائلة: “إذا كانت هذه المهمة ملحة من قبل فهي مهمة الآن”.

التقييم العلمي والتراث العالمي البحري

وكانت اليونسكو قد أصدرت الأسبوع الماضي أول تقييم علمي للنظم البيئية للكربون الأزرق الموجودة في مواقع التراث العالمي البحري، التقرير الذي يسلط الضوء على القيمة الأساسية لهذه الموائل، والتي بالرغم من أن امتدادها لا يمثل سوى 1٪ من محيطات الكوكب، إلا أن هذه المواقع مع ذلك تؤوي 21٪ على الأقل من إجمالي سطح النظم البيئية للكربون الأزرق، و15٪ من جميع موارد الكربون الأزرق في العالم. ويؤكد المؤلف الرئيسي للتقرير البروفيسور كارلوس دوارتي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا والدكتورة فاني دوفير عضوة برنامج التراث العالمي البحري أن تخزين الكربون في التراث العالمي البحري يعادل 10٪ من انبعاثات الغازات الدفيئة السنوية على الكوكب في عام 2018، مما أدى إلى إبقاء مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة خارج الغلاف الجوي بأمان حيث تلعب النظم البيئية للكربون الأزرق دورا إيكولوجيا مهما في دورة الكربون والمغذيات.

النظم البيئية للكربون الأزرق

ويوفر عقد الأمم المتحدة الحالي لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة وسائل للحفاظ على المواقع التاريخية البحرية التي لا تقدر بثمن، حيث “تلعب النظم البيئية للكربون الأزرق الواقعة على طول الساحل دورا إيكولوجيا مهما في دورة الكربون والمغذيات من خلال تشكيل مشاتل وموائل للعديد من الأنواع البحرية والبرية، ولكن أيضا في حماية السواحل، وفي الحفاظ على سبل العيش ورفاه السكان المحليين”، كما يؤكد مساعد المدير العام للثقافة لليونسكو إرنستو أوتوني راميريز.
واكتشف العلماء على مدار العقد الماضي أن الأعشاب البحرية والمستنقعات المالحة وأشجار المانغروف والتي أطلق عليها اسم “النظم البيئية للكربون الأزرق”، هي من بين أقوى أحواض الكربون الموجودة، وبعبارة أخرى فقد شكلت بيئة طبيعية قادرة على امتصاص ثاني أوكسيد الكربون في المحيط الحيوي، إنها تساعد في التخفيف من تغير المناخ عن طريق عزل وتخزين كميات كبيرة من الكربون من الغلاف الجوي والمحيطات، قيمة عالمية لا تقدر بثمن، ويعترف المجتمع الدولي بها كعناصر يعتبر الحفاظ عليها ضروريا للأجيال القادمة، ويوضح التقرير أن مواقع التراث العالمي البحرية هي الحراس على أكبر النظم البيئية للكربون الأزرق في العالم، مما يجعلها أكثر قيمة من أي وقت مضى، وتغطي هذه النظم البيئية معا مساحة 207 مليون هكتار، والتي تمثل 10٪ من جميع المناطق البحرية المحمية في جميع أنحاء العالم في عام 2020.
غابات المنغروف.. نظم بيئية في حاجة للحماية

وتشمل هذه النظم البيئية غابات المنغروف في الهند وبنغلاديش والتي تعد جزءا من أكبر غابات المنغروف في العالم ومنتزه إيفرجليدز الوطني بالولايات المتحدة وخليج القرش غرب أستراليا الغربية، موطن أكبر نظام بيئي للأعشاب البحرية موثق في العالم الحاجز المرجاني العظيم موطن لأكبر نظام بيئي للأعشاب البحرية على هذا الكوكب وبحر وادن المشترك بين الدنمارك وألمانيا وهولندا حيث توجد بعض أكثر المسطحات الطينية انتشارا على هذا الكوكب، وتعد مواقع التراث العالمي البحرية أيضا موطنا لواحد من أقدم الكائنات الحية وأكثرها إنتاجا في العالم: أحواض الأعشاب البحرية في إيبيزا الإسبانية.

استعادة النظم البيئية والتخفيفمن تغير المناخ

وتواجه هذه المجموعة الفريدة من النظم البيئية البحرية العديد من التحديات بدءا من التلوث وخاصة النفايات البلاستيكية إلى تغير المناخ، من خلال تقييم قيمة الكربون لهذه المواقع والتوصية باستراتيجيات محددة للحفاظ على الكربون الأزرق، تشير نتائج أبحاث اليونسكو أن اتجاه الطريق هو إلى الأمام بالنسبة للدول والمناطق والسكان المحليين الذين يعتزمون الحفاظ على هذه المناطق وتنفيذ استراتيجيات حول الكربون الأزرق، ويحذر البروفيسور دوارتي: “نظرا لقدرتها العالية على تخزين الكربون تصبح النظم البيئية للكربون الأزرق مصادر لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون عندما تتدهور أو تدمر”، ويضيف “تعد حماية واستعادة هذه النظم البيئية فرصة فريدة للتخفيف من تغير المناخ، من خلال الحفاظ على النظم البيئية للكربون الأزرق، من الممكن حماية مخازن الكربون الكبيرة التي تراكمت هناك على مدى آلاف السنين، حيث بمجرد استعادتها يمكن أن تصبح مصارف للكربون مرة أخرى”، ويمكن تعزيز تمويل الحفاظ على النظم البيئية للكربون الأزرق في مواقع التراث العالمي البحري من خلال استراتيجيات محددة حيث ستحصل البلدان التي أظهرت فوائد استعادة النظم البيئية المتدهورة والحفاظ عليها على أرصدة الكربون، كما يمكن أن تسمح هذه الاستراتيجيات للنظم البيئية باستعادة وظيفتها الحيوية ومساعدة الدول على الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية باريس للمناخ. ومع ذلك حتى الآن قام عدد قليل جدا من البلدان بدمج استراتيجيات الكربون الأزرق في سياسات التخفيف من آثار تغير المناخ.
انقراض الدببة القطبية عام 2100

تجوع الدببة القطبية بدون جليد، لذلك إذا استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الزيادة فإن إعادة مكن للتدفئة أن تشير إلى الانقراض الفعلي لهذه النباتات الرمزية في القطب الشمالي بحلول نهاية القرن، ويرى الباحثون أن أكبر تهديد يواجه الدببة القطبية اليوم: الاختفاء التدريجي لموائلها: الجليد البحري الذي يصطادون منه الفقمات وهو أمر ضروري لنظامهم الغذائي، حيث يمكن للحيوانات آكلة اللحوم، التي تعيش في مناطق القطب الشمالي حيث يمكن أن تنخفض درجة الحرارة إلى -40 درجة مئوية في الشتاء وأن تصوم لأشهر خاصة خلال فترة الصيف عندما يذوب الجليد البحري كل عام، ولكن مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، أسرع بمرتين في القطب الشمالي، فإن غياب الجليد يستمر لفترة أطول، وتصبح الدببة غير قادر ة على العثور في بيئتها على طعام آخر غني مثل الفقمات حيث يتزايد عدد الدببة الجائعة بالفعل أحيانا بعيدا عن أراضيها بالقرب من المناطق المأهولة، ويمثل ذوبان الجليد تحديا خاصا للإناث اللائي يدخلن عرينهن في الخريف للولادة في منتصف الشتاء ويخرجون في الربيع مع أشبالهم.

 

الاحترار العالمي وحماية الدببة القطبية

يتم توزيع ما يقرب من 25000 دب قطبي على 19 مجموعة فرعية متميزة في كندا وألاسكا وسيبيريا وجرينلاند وبعضها غير مفهوم جيدا. وبحسب الدراسة العلمية التي نشرت الأسبوع الماضي، فإن هذه المجموعات لن تتأثر جميعها بنفس المعدل، حيث خلص الباحثون إلى أنه إذا استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنفس معدلها اليوم فإن “الانخفاض في التكاثر والبقاء على قيد الحياة سيعرض للخطر استمرار جميع المجموعات السكانية الفرعية تقريبا بحلول عام 2100″، ويصر العلماء على أنه حتى لو اقتصر الاحترار على 2.4 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة أي ما يقرب من نصف درجة أعلى من هدف اتفاقية باريس فإنه “لا يضمن إنقاذ الدببة القطبية على المدى الطويل”.

الاحترار العالمي يسرع من انقراض الدببة

اكتسب الكوكب أكثر من 1 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الصناعة مما تسبب بالفعل في زيادة موجات الحرارة والجفاف والفيضانات، وعلى الرغم من أن الالتزامات الحالية للدول ستؤدي إلى عالم عند درجة حرارة +3 درجة مئوية، فإن هذه الظواهر المناخية المتطرفة ستزداد سوءا مع كل نصف درجة إضافية.
إن تصنيف الدب القطبي على أنه “مهدد بالانقراض” على القائمة الحمراء الشهيرة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة والتي تعتبره “معرض للخطر” فقط لن تفعل شيئا لتغيير هلاك حيوانات القطب الشمالي، حيث تتعرض العديد من الأنواع المهددة بالانقراض بسبب الصيد الجائر أو التدمير المباشر لموائلها من قبل البشر حيث لا يمكننا بناء سياج لحماية الدببة القطبية من ارتفاع درجة الحرارة، ولإنقاذ الأنواع البيولوجية يستحضر البعض إعادة إدخال الحيوانات التي تمت تربيتها في الأسر، أو حتى انتقالها إلى القارة القطبية الجنوبية، غير ممكن البتة بحسب العالم ستيفن أمستروب مؤلف الدراسة: “قد نضطر إلى التفكير في ذبح آخر دببة قطبية بدلا من تركها تتضور جوعا”.

> محمد بن عبو

(*) خبير في المناخ والتنمية المستدامة
رئيس المكتب الوطني لجمعية مغرب أصدقاء البيئة

Related posts

Top