مقاربات سوسيولوجية وقانونية وتشـريعـــــــــــية لواقع الحريات الفردية بالمغرب

تفاعلا مع النقاش المجتمعي حول الحريات الفردية والذي طفا على السطح في الآونة الأخيرة، وذلك تزامنا مع النقاش الدائر في البرلمان حول تعديل القانون الجنائي، خاصة الفصول المرتبطة بالحريات الفردية، سواء تعلق الأمر بالإجهاض، أو العلاقات الجنسية قبل الزواج، نظم فرع أكدال الرباط لحزب التقدم والاشتراكية، ندوة فكرية حول موضوع «واقع الحريات الفردية بالمغرب» احتضنها المقر المركزي للحزب بالرباط يوم الخميس 10 أكتوبر الجاري، شارك فيها كل من السوسيولوجي عبد الصمد الديالمي، والبرلمانية عن حزب العدالة والتنمية أمينة ماء العينين، والمحامي كريم نايت الحو عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية.
وقد قاربت هذه الندوة الفكرية التي أدارها سعيد أقداد كاتب الفرع الحلي لحزب التقدم والاشتراكية بأكدال، موضوع الحريات الفردية في المغرب انطلاقا من ثلاث زوايا متكاملة، زاوية الباحث السوسيولوجي الذي ينظر إلى المجتمع انطلاقا من تحولاته الكبرى التي تطرأ عليه في الزمان والمكان، وزاوية الباحث القانوني والقضائي انطلاقا من انعكاسات القانون الجنائي على واقع هذه الحريات، ثم الزاوية الثالثة هي مرتبطة بالفاعل السياسي والبرلماني الذي يتطلع إلى مواكبة النقاش المجتمعي ويترجم ذلك إلى تشريعات وقوانين تكن منسجمة مع واقع المجتمع كما هو.
ونظرا للأهمية المعرفية والعلمية تنشر بيان اليوم أطوار هذه الندوة الفكرية.

عبد الصمد الديالمي: ضرورة إدراج التربية الجنسية في برامج المدرسة العمومية

تطرق عالم الاجتماع عبد الصمد ديالمي إلى الحريات الفردية، في شقها المتعلق بالحريات الجنسية من منطلق مفهوم التحريم الديني ومفهوم التجريم القانوني، مبرزا أوجه الاختلاف بينهما، سواء من حيث الأحكام، أو من حيث التمثل المفاهيمي والاصطلاحي.
وأوضح ديالمي، في معرض حديثه عن الحريات الجنسية، أن الدين يستعمل مصطلحات من قبيل زنا المحصن، وغير المحصن، واللواط والسحاق، لكن في القانون الجنائي لا وجود لهذه المصطلحات، فهو يستعمل مفاهيم ومصطلحات مغايرة، حيث نجده يستعمل مفهوم العلاقات المضادة للطبيعة، ويستعمل مصطلحات من قبيل الفساد والخيانة الزوجية، وهو ما يعني في نظر السوسيولوجي المغربي، وجود قطيعة مصطلحية بين القانون الجنائي وبين الفقه الشرعي، بالإضافة إلى وجود فرق في العقوبات والأحكام بين المجال الديني والمجال القانوني، فالأول يستعمل مفهوم تطبيق الحد أو الجلد أو الرجم، وفي بعض الحالات يلجأ إلى التعزيز بمعنى النفي أو السجن، لكن في المجال الثاني أي المجال القانوني لا وجود لهذه الأحكام، فهو يستعمل إما العقوبة الحبسية أو الغرامة أو هما معا، وفي الوقت الذي نجد فيه تمييز بين الرجل والمرأة في تطبيق الحد في الشريعة، فإن القانون الجنائي، يضيف المحاضر، لا نجد فرقا بينهما ولا بين بين اللوطي الفاعل واللوطي المفعول به، كل منهم له نفس العقوبة.
وذهب عبد الصمد ديالمي، إلى القول “إنه على الرغم من التحريم الديني المستبطن، ورغم المنع القانوني القائم، فإن هذه الحريات تمارس يوميا، بتكرارية عالية” مشيرا إلى أن العديد من الدراسات السوسيولوجية تؤكد أن الجناسنية المثلية، وما يسمى بالفساد، والخيانة الزوجية، هي سلوكات متكررة جدا، مما يؤكد، في نظره على أن المغرب يعيش مرحلة ما يسميه ب”الانفجار الجنسي” ما يعني أن الجنس تجاوز حدود الزوجية وحدود الشرعية.
وبحسب السوسيولوجي المغربي، فإن هذا الانفجار الجنسي الذي يعرفه المغرب، يدل على أن هذه الحريات الفردية والجنسية هي حريات مسروقة، وهو ما يجعل المغاربة، في نظره، لصوصا جنسيون، يسرقون متعا ممنوعة، وبالتالي كلهم جانحون،مضيف أن هذا الانفجار، يعبر عن بؤس جنسي، أي أن هذه الجنسانية المسروقة، هي غير مرضية، وتقع في ظروف لا يشعر فيها الإنسان بالأمان، وهي غير محمية نفسيا، وغير محمية صحيا، وغير محمية من وقوع حمل غير مرغوب فيه، كما هي غير محمية من تدخل السلطات بشكل فعلي ومباشر.
وأوضح الديالمي، أن البؤس الجنسي يؤدي بالمواطن المغربي إلى خطر الوقوع في الاعتداءات الجنسية، لأن المحروم جنسيا يعبر عن حرمانه بعدوانية ضد الآخر سواء كانوا نساء أو أطفال، بل الأكثر من ذلك أن الحرمان الجنسي يعتبر عاملا من بين العوامل التي تؤدي إلى ظهور الشخصية الإسلاموية المتطرفة والشخصية المتشبعة بالفكر الإرهابي.
وأورد المحاضر، أن القراءة الإسلامية لواقع الانفجار الجنسي، تنطلق من ثلاثة نزاعات، الأولى هي معتدلة وهي التي تساهم في اللعبة الديمقراطية وتقول إن المجتمع المغربي مجتمع منحرف جنسيا، أي زاغ عن الطريق الصحيح، والنزعة الثانية وهي تتمثل في جمعيات دعوية تستعمل مفهوم الفتنة، أي القول بأن المغرب يعرف فتنة جنسية، أو فوضى جنسية، فيما تذهب النزعة الثالثة وهي نزعة راديكالية متطرفة إلى القول بأن المغرب يعيش عودة إلى الجاهلية في الميدان الجنسي، معربا، بصفته عالم اجتماع، عن رفضه لتلك النزاعات وتلك الطروحات الثلاثة، لأنها، بحسبه، غير علمية، وتندد بما هو واقع وتعتبره سلبيا يجب أن يرفض باسم الإسلام.
وأضاف عبد الصمد ديالمي، أن هذا الواقع مكنه سنة 2012 إلى من بناء نظرية سوسيولوجية، لا تقبل، ولا ترفض، ما هو واقع بل تحلله، وهي نظرية أطلق عليها اسم “نظرية الانتقال الجنسي” والتي تقول وفق إفادته “إن هناك انفجار بين المعايير الجنسية الدينية، والسلوكات الجنسية التي لم تبق دنية” مشيرا إلى أن المعيار الجنسي السائد في المغرب، هو معيار إسلامي، حيث لا جنسانية قبل الزواج، ولا جنسانية مثلية. لكن أن الواقع السلوكي، بحسب المحاضر، يدل على أن هناك ممارسات جنسية قبل وبعد الزواج بل هناك ممارسات جنسية غير جنسية، أي أن هناك في الوقع طلاق بين المعيار وبين السلوك، وهو أيضا طلاق بين السلوك وبين القانون، لأن هذا الأخير يشرعن المعيار الاجتماعي والديني.
وقال عبد الصمد ديالمي “إنه على الرغم من هذا الإنفجار الجنسي السلوكي، فمن المستحيل تجريم كل السلوكات الجنسية اللاقانونية على اعتبار أن الحالات التي تتم فيها المتابعة هي حالات قليلة جدا بالمقارنة مع ما يقع في الواقع، ما يفيد أن القانون الجنائي يخرق بشكل يومي، بل أصبح قانونا متجاوزا بالنظر إلى الواقع”.
وأشار المحاضر إلى أن ما يميز مرحلة الانتقال الجنسي هو أن هناك ولادة عسيرة لقيم جنسية علمانية، ستؤدي بالضرورة إلى مرحلة ثالثة وهي مرحلة التطابق بين معايير جنسية علمانية وسلوكات جنسية علمانية، متسائل عن كيفية إنجاح الانتقال الجنسي لكي يتصالح المغاربة مع واقعهم الجنسي اليومي، مؤكدا عدم وجود أية معاهدة أو اتفاقية دولية تقول بأن الحرية الجنسية هي حق إنساني، وبالتالي ليس هناك ضغط قانوني على الدولة المغربية من أجل إقرار الحرية الجنسية.
ودعا عبد الصمد ديالمي، من جانب آخر إلى ضرورة القيام بإصلاح واجتهاد على المستوى الداخلي يهم أربعة نقط وصفها بـ “الأساسية” وهي أن يوضح للمشرع الحالي وللمجتمع المغربي أن الأسباب التي قام عليها تحريم المثلية الجنسية وزنا غير المحصن والخيانة الزوجية، لم تعد قائمة اليوم، وأن السبب وراء تحريم المثلية الجنسية واللواط، هو أن تلك الممارسات لا تساهم في سواد الأمة الإسلامية، فالسحاق عقيم، واللوطية عقيمة، وفيهما ضياع للمني كرأسمال في يد الأمة لكي تكثر من مواطنيها، وبالتالي فالمثلية الجنسية مرفوضة انطلاقا من هذا المنطلق، فيما تعتبر اليوم، المنظمة العالمية للصحة، المثلية الجنسية هي ميل جنسي طبيعي وعادي، مثلها مثل الغيرية الجنسية، وهو ما حدا بهذه المنظمة إلى إزالة المثلية الجنسية من لائحة الأمراض النفسية والعقيلة.
وبخصوص الزنا الغير محصن، ذكر عبد الصمد ديالمي، أن التحريم في الإسلام، هو منصب على الفتاة بالأساس، لأن الفتى المسلم غير المتزوج كان بإمكانه، بل ومن حقه أن يشتري جارية، ويمارس معها الجنس بشكل شرعي، وأن يلد معها، كان هذا مشاعا ومتاحا في المغرب إلى حدود سنة 1926، تاريخ تجريم العبودية، أو الرق الجنسي بفضل الفرنسيين، وبالتالي يضيف المتحدث، فتحريم ممارسة الجنس قبل الزواج منصب على الفتاة تحت يافطة الحفاظ على العرض والشرف، لكن في الواقع يقول المحاضر “إن الإمساك عن الجنس قبل الزواج ،كانت هي الوسيلة الوحيدة لمنع الحمل، لأن الطفل الغير شرعي يؤدي إلى الخلط في الأموال والأنساب، لكن اليوم هناك وسائل منع الحمل كثيرة وآمنة”.
أما الخيانة الزوجية فهي في نظر السوسيولوجي المغربي، وإن كان فيها خرق لعقد الإخلاص الزوجي، ويتعين أن تستمر المتابعة القانونية في حق من قام بها، لكن، يضيف المحاضر، يجب إخراجها من القانون الجنائي، وإدراجها في القانون المدني، أي أن الضحية يطالب بالطلاق أو بالتعويض، لكن على الدولة أن تنسحب من تجريم الخيانة الزوجية. نفس الشيء بالنسبة للإجهاض، حيث أكد ديالمي، على أن القول بأن الإسلام يحرمه هو خطأ، لأن ذلك قول الفقهاء المتمذهبون بالمذهب المالكي على الخصوص، الذي يحرم الإجهاض منذ الإخصاب، عكس المذهبين الشافعي والحنبلي اللذان يجيزان ذلك في حدود الأربعين يوما، فيما يذهب المذهب الحنفي إلى قبول الإجهاض في حدود الشهر الرابع.
وبالتالي يتعين في نظر المحاضر أن نعمل مثل تونس التي تبنت مذهبا يتماشى مع الواقع، فالخروج على المذهب المالكي ليس كفرا، ولا يمكن معاقبة الفتاة بالأمومة، أي أن تفرض عليها أن تكون أما رغما عنها.
ويقول عبد الصمد ديالمي، بضرورة إدراج التربية الجنسية في برامج المدرسة العمومية، يكون أساسها الاعتراف بالجنس كشيء، غير دنيء، تربية جنسية تقوم على أخلاق غير آبيسية التي تحرم الجنس خارج الزواج، لأن أساس الأخلاق، بحسبه، هو التراضي بين الجنسين، مشيرا إلى أن التربية الجنسية، تعني أيضا، الحق في الجنس دون الحق في الزواج وبالتالي لا يوجد تمييز بين الفاعليين الجنسيين، فكل واحد له الحق في الجنس المتراضي، مما يفرض، بحسبه، وضع برامج مدرسية في هذا الاتجاه والتركيز على قيمة الجنس، بالإضافة إلى حذف كل فصول القانون الجنائي المجرم للجنس، مؤكدا على أن المسؤولية في هذا الباب هي مسؤولية الفاعل السياسي والأحزاب السياسية خاصة اليسارية منها.
وفي سياق ذي صلة، يرى عبد الصمد ديالمي، بضرورة خوصصة الدين وإخراجه من احتكار الدولة، من أجل التعايش السلمي، مشيرا إلى أن الإسلام لا يعطي الشرعية للسلطة السياسية، وهو ليس مصدر قوانين لأن القوانين لا تأخذ من الدين لأنه ليس دين الجميع، ومن ثمة ضرورة تحول مهمة المدرسة العمومية من إنتاج المسلم إلى إنتاج المواطن المتشبع بالمقيم.
وخلص ديالمي إلى القول بـ “أن تلك الاقتراحات ستؤدي إلى تصالح بين المعايير والقوانين من جهة والسلوكات من جهة أخرى وستؤدي إلى وضع حد لاستغلال السياسي للجنح الجنسية” مشيرا إلى أن الدولة متهمة باستغلال الجنح والجرائم الجنسية لتصفية حسابات سياسية، وأن إلغاء القوانين التي تجرم هذه العلاقات الجنسية الرضائية لن يصبح للدولة مبررا لمتابعة معارضيها عندما تصبح تلك العلاقات مشروعة، مشيرا إلى أن إن الدول القمعية الدكتاتورية تستعمل القمع الجنسي لإنتاج الرعية الطيعة المنبطحة، أما الدول الديمقراطية التي تملك شرعية سياسية، فلا تخاف على كراسيها ولا يخيفها أن تمنح لمواطنيها حريتهم الجنسية، وتجعل منهم مواطنين يتمتعون بحقوق جنسية كاملة.

***

كريم نايت الحو: النقاش يجب أن يسيـــــر في اتجاه عدم تجريم الإجهاض  

من جانبه يرى المحامي كريم نايت الحو، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، أن طرح الإشكال المتعلق بواقع الحريات الفردية في المغرب في إطار تصادم بين القانون الوضعي وبين الدين، لا يخدم القضية ويقدم النقاش، مشيرا إلى أن القانون الجنائي المغربي هو قانون وضعي وبالتالي ليس هناك تصادم مع الدين، مادام المغرب استطاع عبر مختلف دساتره، أن يتحكم في هذه المعادلة، بطريقة ذكية، حيث أن دين الدولة هو الإسلام، وفي الوقت ذاته، المغرب منخرط في كل المعايير والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، واستطاع بذلك أن ينفلت من خطر دمج الصراع داخل المجتمع بين تحليل ديني إسلامي، أو تحليل علماني يساري يتبناه فقط اليسار.
وأوضح نايت الحو أن الحريات الفردية هي بالدرجة الأولي حرية التعبير وحرية التفكير وحرية العقيدة، بالإضافة إلى حرية امتلاك الجسد والتصرف فيه، متسائلا إن كانت ذلك يندرج ضمن الحريات أم ضمن الحقوق أم هما معا؟ على اعتبار أن الفرق بين الحق والحرية، هو مصدر الحق، فإذا كان مصدر الحق، يقول المتحدث “هو القانون الطبيعي، فإننا نكون أمام حرية من حقنا التمتع بها” مشيرا إلى أن من بين الحقوق الطبيعية للإنسان هو أن يفكر بحرية ويعبر بحرية ويعيش في حرية ويمارس مأكله ومشربه وجنسه وعلاقاته بحرية، وأن مصدر هذه الحرية هي كونه إنسان وهي تندرج ضمن حقوقه الأساسية والطبيعية.
وأضاف القيادي الحزبي، أنه بعد ذلك ستأتي أشياء أخرى لتعديل هذه الحقوق في عمقها، حيث يمكن أن يأتي العرف أو التقاليد أو الدين كما يمكن أن تأتي أفكار مختلفة داخل المجتمع، مشيرا إلى أن الإسلام هو دين حديث بالمقارنة مع تاريخ البشرية ، ونفس الشيء بالنسبة لمختلف الديانات السماوية، وبالتالي ليس هناك ما يوجب حصر الحقوق الطبيعية في التصادم الديني، بل هناك سعي إلى بناء دولة توافقية نص آخر دستورها على تجليات هذه الحقوق الفردية، وخصص أكثر من 21 فصلا لهذه الحقوق والحريات.
وفي الوقت الذي أكد فيه على وجود مكتسبات حققها الشعب المغربي في نضاله الديمقراطي من أجل ترسيخ الحقوق والحريات العامة وعبرها الحريات الفردية، أشار نايت الحو إلى أن المغرب الذي صادق على اتفاقية بيجين حول المرأة، تحفظ حينها على بندين اثنين، وهما البند المتعلق بحق المرأة في التصرف في جسدها، والبند المتعلق بالإرث، لكن بفضل النضال الديمقراطي، يضيف المتحدث رفع المغرب تحفظه على هاتين المادتين.
وبالنظر إلى أن هذه الندوة التي ينظمها حزب التقدم والاشتراكية حول الحريات الفردية، تتزامن مع النقاش الدائر في البرلمان حول تعديل القانون الجنائي، وهو النقاش الذي طرح منذ سنة 2016، يرى كريم نايت الحو أن اليوم، حان الوقت داخل قبة البرلمان ليمر النقاش إلى مرحلة إدراج التعديلات والمصادقة النهائية عليها في البرلمان، بلورة قانون جنائي خال من العقوبات التي تجرم العلاقات الجنسية الرضائية، مشيرا إلى أنه يتعين الانطلاقة من تشخيص واقع الحقوق والحريات، والذي يؤكد أنه على الرغم من أن القانون الجنائي المغربي يرجع إلى سنة 1962، فإن محاكم المملكة منذ فترة التسعينات لم تعد تحكم على أحد ولا تعتقله من أجل جريمة الفساد، فقط تعاقبه بعقوبة موقوفة التنفيذ وبغرامة مالية.

وأوضح نابت الحو، في السياق ذاته، أن السلطة التنفيذية، ما قبل التعديل الحكومي الأخير، وصلت إلى حد توجيه وزير العدل لمنشور إلى الوكلاء العامين للملك، للقول بأنه لا ضير لهذا المجتمع في أن تمارس العلاقة الجنسية بين راشدين لا تربط بينهما علاقة زواج داخل إطار مغلق، لأن ذلك لا يحدث أي رجة أو ضجة داخل المجتمع، مشيرا إلى بذلك يمكن المرور إلى مرحلة اللاتجريم.
واستطرد نايت الحو قائلا: “إن الحريات الفردية غير مرتبطة، فقط بالعلاقات الجنسية، هناك مادة في القانون، يتعين الانتباه إليها، وهي تلك التي تتعلق بانتهاك الآداب العامة والإخلال العلني بالحياء كالعري والإثارة” وهي عبارات فضفاضة وغير دقيقة، يضيف المتحدث، وهي شبيهة بالفصل المشئوم المعروف بقانون”كل ما من شأنه”.
وأدرج القيادي الحزبي، في سياق حديثه عن واقع الحريات الفردية، المرسوم الملكي الصادر سنة 1967 والذي يجرم بيع الخمر للمغاربة المسلمين ويجرم السكر العلني الطافح، في الوقت الذي لا يجرم استهلاك الخمر، وهو ما وصفه بـ”السكيزوفرينيا”، مشيرا إلى أن الواقع شاهد على أن مئات الآلاف من أطنان الخمور تستهلك يوميا من طرف المغاربة المسلمين، وأن الإبقاء على هذا المرسوم يطرح إشكال من إشكالات الحرية الفردية بالمغرب.
وأضاف نايت الحو أن القول بتقنين بيع الخمور وفق معايير دولية لا يعني السماح ببيعها للأطفال، أو تناولها في الأماكن العامة، بل إن القانون الذي يجرم بيع الخمور لغير المسلمين، تستغله الدولة في تصفية حساباتها السياسية مع معارضيها، وساق في هذا الإطار مجموعة من الأمثلة الحية التي عايشها داخل أروقة المحاكم بصفته محاميا، أو عايشها بصفته مناضلا سياسيا، مؤكدا على أن الوقت قد حان ليتدخل المشرع المغربي من أجل تعديل المرسوم الملكي المجرم لبيع الخمور للمسلمين المغاربة، وأن يضع حدا لتجريم بيع الخمور للمغاربة المسلمين.
وبخصوص الإجهاض، أوضح عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية أن هناك أزيد من 800 حالة إجهاض يوميا تقع في المغرب، أغلبها في ظروف غير صحية، وهو ما يفرض في نظره تدخل المشرع لوضع حد لهذه الظاهرة، والقبول بها في حدود الأربعين يوما، مشيرا إلى أن النقاش المجتمعي يجب أن يسير في اتجاه عدم تجريم الإجهاض، وأن يدفع في اتجاه سياسة جنائية حداثية تتضمن جيلا جديدا من الإصلاحات الجنائية.

***

أمينة ماء العينين: على الدولة رفع يدها عن الحياة الخاصة للناس في الفضاءات المغلقة

من جانبها، قالت البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية أمينة ماء العينين “إن من بين إشكاليات تدبير النقاش المجتمعي، ورصد تحولات المجتمع المغربي بالطريقة السليمة، هو التهميش الفظيع والإرادي الذي تعرضت له العلوم الإنسانية، كعلم الاجتماع وعلم النفس والأنتروبولوحجيا وغيرها”، مؤكدة على أن هناك محاولة، اليوم، لغزل النقاش السياسي عن الحاضن الطبيعي الذي يجب أن يؤطره وهو النقاش القاعدي الذي له بعد سوسيولوجي.
وأوضحت، المحاضرة، أن المقاربة السوسيولوجية تم خنقها وتهميشها، وهو ما جعل المقاربة السياسية في مأزق، وتم تميع النقاش السياسي المتعلق بالحريات الفردية إلى درجة لم تعد هناك القدرة على تدبير هذا النقاش، خاصة وأنه مرتبط بالتشريعي، مشيرة إلى أن نقاش الحريات الفردية ، اليوم، تم تكثيفه في نقاش القانون الجنائي باعتباره مدخلا تشريعيا، يعتقد الجميع أنه يمكن أن يصل من خلاله إلى بر الأمان.
وترى ماء العينين أن الهدف المنهجي الأول هو تحرير النقاش حول الحريات الفردية، وإخراجها من المأزق الذي تعيش فيه اليوم، سواء على مستوى المصطلح أو على مستوى المفهوم وتمثلاتها لدى الفاعل السياسي ومنه الفاعل البرلماني، مبرزة أن الوضع الحالي للبرلمان يجعل منه ملحقة سياسية للأحزاب السياسية، ولا يجعله يمثل سلطة تمثيلية تشريعية مستقلة.
وفي نظر النائبة البرلمانية، فإن الأحزاب السياسية لم تنفتح على السوسيولوجيين ولا تستمع إليهم بخصوص طبيعة التغيرات والتحولات التي يعرفها المجتمع، مشيرة إلى أن كل الأحزاب السياسية هي مفصولة عن مراكز البحث والدراسات، وأن الأمر يقتصر، فقط على اجتماع الأمانة العامة أو المكتب السياسي من أجل إعطاء التعليمات للفريق النيابي، ليجد البرلماني نفسه مقيدا “بقرار سياسي لا يستند على أية مرجعية فكرية، وغير مؤسس سواء عند الإسلاميين أو عند الاشتراكيين أو الليبراليين إن صحت هذه التصنيفات في المغرب” على حد تعبيرها، وبالتالي الذي حدث عمليا، تضيف المتحدثة، هو نقل نقاشات فكرية كبيرة إلى مجال السياسة التي هي مجال تدبير الصراع، وليست هي مجالا لتدبير الفكر، وبالتالي لا يمكن أن ننتظر من السياسة، اليوم، في المغرب أن تدبر نقاشا من هذا القبيل والذي له أبعادا فكرية، وهو نقاش حقيقي، حيث تم إفقار الجامعة، وإفقار فضاءات الحوار والنقاش والتي هي مجالات لتدبير الفكر، وانسحبت النخب من الممارسة السياسية والعمل الحزبين، وبدأ الاقتصار على السياسة التي هي مجال لتدبير المواقع داخل السلطة.
وأوضحت بخصوص النقاش الدائر حول الحريات الفردية، أنه تم تناوله من طرف الأحزاب السياسية انطلاقا من مجال تدبير المواقع داخل السلطة، وبالتالي حتى القول بالاعتماد على الأحزاب الاشتراكية التي لها مرجعية حداثية، في تدبير هذا النقاش، هو أمر في نظرها “غير موجود عمليا، حتى في النقاش البرلماني” مشيرة إلى أنه لولا تفجر قضية هاجر الرسوني، لما توجه النقاش العمومي، وأنتبه إلى وجود قانون جنائي يناقش في البرلمان ويطرح فقط إشكالية الإجهاض، من منطلق توصيات اللجنة الملكية، التي تعتبرها الأحزاب السياسية نهائية، وأن على البرلمان أن يقبل بتلك التوصيات وأن لا يعاود فتح النقاش من جديد، مؤكدة على أن التعديل الحكومي لم يتضمن نهائيا، ما يتعلق بالحريات الفردية إذا تم حصرها في الفصول 489 و 490 و 491 ما يتعلق بالحرية الجنسية، أي العلاقات الجسنية خارج الزواج والمثلثة الجنسية والخيانة الزوجية، هذه المواضيع، تقول أمينة ماء العينين، “لم تكن نهائيا موضوع نقاش من طرف الحكومة السابقة ولا من طرف الحكومة التي جاءت بعدها، لأنها لم تدرج أي تعديل على مشروع القانون الجنائي ولم تسحبه من البرلمان”.
وأضافت المحاضرة، أن النقاش مر داخل البرلمان حول القانون الجنائي مرتين خلال الولاية السابقة، ولم يحضر فيه بشكل قطعي، نقاش الحريات الفردية، ولم تكن تلك الحريات هاجسا لدى المشرع باعتبارها ضغطا مجتمعيا، مبرزة أن الاختلاف الوحيد الذي بسببه توقف النقاش، في مرحلة التعديلات، كان هو موضوع “الإثراء غير المشروع” وكل المقتضيات المرتبطة به في إطار ما يعرف ب “قانون من أين لك هذا” ونفس الشيء بالنسبة للولاية الحالية، ومر أيضا النقاش، بسلام، دون أن يكون المشرع ممثلا حقيقيا لما يجري في المجتمع.
وجددت التأكيد على أنه لولا قضية هاجر الرسوني ومن معها لما فتح نقاش الحريات الفردية بهذه الطريقة، وبهذا العمق، مشيرة إلى أن الإشكال هو أعوص مما يمكن توقعه، لأن النقاش الدائر، ليس نقاشا سطحيا، بقدر ما هو نقاش حقيقي ونقاش عميق ولا يمكن الحسم فيه بسهولة.
وأعربت ماء العينين عن تخوفها من أن يخرج النقاش حول الحريات الفردية من المسار التشريعي منهزما، كما هي متخوفة من أن يخرج من التدبير السياسي منهزما أيضا، وهو ما يدل في نظرها على أن المغرب لا يحقق نضجا على مستوى الحياة الحزبية والحياة السياسية من أجل التقدم نحو تأطير النقاش العمومي تأطيرا عقلانيا، مشيرة إلى أن الفاعل السياسي يدبر نقاش الحريات الفردية من موقع الصراع، حيث نجد القوى المحافظة تتهم كل من يحاول فتح هذا النقاش بأنه يسعى إلى إشاعة الفاحشة والانحلال وإفساد المجتمع، وهذا له ارتباط بقاعدة وبجمهور انتخابي واسع غير مؤطر وغير فاهم لفحوى النقاش، فيما القوى التقدمية والحداثية، تجد نفسها مضطر لتنكمش على نفسها في تدبر نقاش الحريات الفردية انطلاقا من موقع الصراع السياسي حتى لا تخسر القاعدة الانتخابية، وهو ما أدى بحسبها إلى مناقشة القانون الجنائي بمعزل عن سياقه، مما يستدعي تضيف المتحدثة إرجاع النقاش إلى سكته الحقيقية، مؤكدة أنه من غير الممكن فصل الحريات الفردية عن الحريات السياسية أو عن الوضع السياسي العام، على اعتبار أنه ليس هناك، في التاريخ، دولة غير مكتملة ديمقراطيا، تحترم الحريات الفردية، دون أن تحقق انجازا على مستوى الإصلاح الديمقراطي والسياسي، مشيرة إلى أن ذلك يعد بالنسبة لها، هو المدخل الأساسي، ل،ه في نظرها، من غير الممكن تحقيق المساواة والمناصفة، كما من غير الممكن اختراق جدار الحريات الفردية وإحراز تقدم على هذا المستوى، في ظل التهرب من النقاش السياسي والإصلاح الديمقراطي، ودون القطع مع الدولة المهيمنة والانتقال إلى الدولة الديمقراطية.
وأوضحت في السياق ذاته، أن الدولة ومن خلالها المشرع، يعرفان أن هناك داخل المجتمع ممارسة للجنس خارج مؤسسة الزواج، وهناك ممارسة للإجهاض، ومع ذلك هناك إصرار من طرف المشرع على عدم فتح هذا الملف، وهناك إصرار من السلطات المكلفة بإنفاذ القانون على أن تستغل ذلك بين الفينة والأخرى، وهو ما يقوض التعاقد القانوني، ويقوض أسس الدولة العصرية والحديثة التي تخضع للقانون.
وعلى الرغم من كون البعض يرى أن نقاش موضوع الحريات الفردية هو مطلب أقلية، وعلى الرغم من كون البعض الآخر يرى أنه مطلب موجود في المجتمع ولا يعبر عنه بالشكل المطلوب، على الرغم من كل ذلك تقول أمينة ماء العينين “يجب أن نحسم النقاش حول الحريات الفردية، لأن الدول التي سبقت المغرب ديمقراطيا، وقامت بتقعيد كل تلك القضايا، وحسمت فيها منذ قرون، لم تعد تناقش الموضوع، وإذا وقع هناك تختلف تلجأ إلى قاعدة التصويت التي تعكس، في الدول المكتملة ديمقراطيا، شرعية التمثيل”، مشيرة إلى أن الحريات الفردية هي جزء لا يتجزأ من الحريات الجماعية ولا انفصال بينهما وأن النقاش يتعين أن يسير بشكل متواز.
وذهبت المتحدثة إلى اعتبار الذين يشعرون بالجبن في النقاش السياسي وفي المعركة الديمقراطية، باعتبارها معركة صعبة، ويهربون إلى نقاش الحريات الفردية، هم واهمون، لأنهم يعتقدون أنهم لا يسعدون السلطة، وكأن المزاج العام للسلطة يتجه للدفع بتعديل هذه القوانين، وهو اعتقاد في نظرها، خاطئ، لأنه ليس القوى المحافظة هي التي تفرمل الاتجاه نحو تعديل القوانين، بل إن الأمر بالنسبة لها هو أن مزاج السلطة في المغرب غير جاهز لهذا النقاش، ما يؤكد أن البرلمان تحول فعلا إلى غرفة حقيقية للتسجيل، وتم إغراق الأحزاب السياسية في عزل المشرع، نظرا لإكراهات سياسية متعلقة بتدبير السلطة، كما تم عزل البرلمان عن امتداده الشعبي، باعتباره مؤسسة تمثيلية، كان يفترض منها أن تحتضن نقاشا من هذا القبيل.
وأوردت أمينة ماء العينين، أن البرلمان في شكله الحالي، في ظل غياب مراكز دراسات ملحقة، وغياب خبراء إلى جانب البرلمانين، لا يستطيع أن يقود نقاشا من هذا القبيل، بسبب مجموعة من العوامل الموضوعية الحقيقية، مشيرة إلى أنه سيكون من التجني، أن يأتي، اليوم، علماء الاجتماع، أو المثقفون، ويطالبون المشرع بالقيام بدوره كاملا، وهو أمر غير ممكن في نظرها لأن المسار الذي أفرز المؤسسة التشريعية، لن يسمح بذلك.


وقالت ماء العينين “إننا نحصد اليوم، ما زرعناه في الممارسة السياسية، ويتعين الإقرار بذلك، لأنه من غير المقبول أن نكون شجعان جدا في مناقشة الحرية الفردية والجنسانية، وأن نكون جبناء جدا في أن نناقش العمق الذي سيدبر هذا النوع من القضايا على الأقل عندما تصل إلى المستوى السياسي والبرلماني”، مشيرة إلى أن الجلد الذي يتعرض له البرلماني والفاعل السياسي، فيه نوع من السطحية، والهروب من طرح الإشكاليات الحقيقية والأعطاب الحقيقية التي تعوق البناء الديمقراطي والسياسي.
وحول توجه السياسة الجنائية المغربية وأسس الجهاز القضائي قالت ماء العينين إن العقل الجمعي القضائي بالمغرب هو أكثر محافظة من القوى السياسية التي تنعت بالمحافظة، وهو ما يفرض في نظرها تحرير النقاش العمومي حول الحريات الفردية من منطلق مرجعية تدبير الفضاء المشترك، وليس من منطلق من مع الدين ومن ضده، لأن تحييد الدين من الصراع، هو في نظرها حماية للدين، مشيرة إلى أن القانون الجنائي لا علاقة له بالأحكام الشرعية، وساقت مثالا على ذلك بالخيانة الزوجية حيث أن الزوج والزوج في حال وقعا على التنازل وعلى الصلح تسقط المتابعة، عكس ما هو في الأحكام الشرعية حيث عقوبة المحصن تكون أشد من غير المحصن، أي غير المتزوج، لوجود متضرر وهو الزوج أو الزوجة، فيما تكون ممارسة الجنس خارج الزواج أشد من عقوبة الخيانة الزوجية في القانون الجنائي، الذي يتابعه بالفساد، رغم عدم وجود متضرر.
وشددت أمينة ماء العينين، في السياق ذاته، على ضرورة رفع الدولة يدها، بشكل مطلق، عبر آليات التشريع، عن الحياة الخاصة للناس في الفضاءات المغلقة، لأن بذلك، تضيف المتحدث، تخرج من الفضاء الذي تدبره وهو الفضاء المشترك، وتحشر نفسها في الفضاءات الخاصة للمواطنين، وبالتالي على الدولة أن تكف عن الخوض في الحياة الخاصة للناس، كما حدث في ملفات هي مفتوحة أمام القضاء، مبرزة أن المجتمع المغربي بدأ ينضج في أفق تحرير النقاش وإخراجه من فضاء البوليميك، لأن المعركة بالنسبة لها هي معركة جماعية لها بعد سياسي وديمقراطي إذا تم الحسم في هذا الاختيار سينجح المجتمع في تدبير كل القضايا.

> محمد حجيوي

Related posts

Top