تشابهت علينا المهرجانات الأدبية

يبدو أن المهرجان على الأرض، وفي المجتمع يتمظهر في الاحتفال بشكل غير هادئ، فتتعدد أنواعه الصارخة والصاخبة التي تقتضي عودة النفس للفرز والاستمتاع تلبية لنداء الشهوة النابحة. ومن الملاحظ أن هذه العدوى انتقلت إلى تجمعات أدبية اختارت أن تسمي نفسها بالمهرجان ( شعري، قصصي، روائي..)، مما يدفع إلى التساؤل:
هل المهرجان الأدبي يقتضي ضرورة وجود عدد كبير من الكتاب أو الجياد؟ وأحيانا لا رابط بينهم في الحساسية والأفق إلا أنهم يكتبون.. ويكتبون أحيانا بهستيرية تسعى إلى الظهور والادعاء.
ويبدو أن الأمر يتغذى على اختلالات بنيوية في الأقطار العربية، فيتم السطو على كراسي الثقافة في مؤسسات الدولة، والمدنية أيضا دون كفاءة ولا تصور.
في هذه الحالة، تتحول الجمعيات إلى مراكب للإبحار في المستنقع، من أجل الزبد أو قل مصالح آنية وزائلة. أضف إلى ذلك شبكة العلاقات والإخوانيات التي تهندس الحضور ونوعه. مما ينعكس على السير الثقافي للجمعيات الذي يغدو معطوبا في الكثير من المستويات. كأن تلك الجمعيات مجرد فضلات لإطارات سياسية وعلاقات.. لهذا ترى التكريمات مكررة ومجترة، فاقدة لمعناها الحق، بل تكريم أيا كان وأحيانا دون شرط الكتابة والإضافة.
فالثقافي يتصف بالتحليل والنقد، هذا فضلا عن التشخيص الموضوعي المتجرد من الذوات وفيضها، لكن الكتاب في الإطار يبدون مدجنين، فاقدين للنظر البعيد.. يصفقون ببساطة ويبلعون غبار الحقائق المتكلسة دون عسر. ويبقى الخاسر الأكبر في الطريق هو البوصلة الموجهة بالارتجال والانفراد بـ “الغنائم ” التي حولت المبدعين إلى قطيع بلا أسئلة، بلا أفق.. كأنه ساقط على الثقافة التي أفرغت من أفعالها وقلقها، من رسائلها.. فتحولت إلى تسطيح وتناطح زبد ينحدر سريعا دون معنى.
يغلب ظني أن الاشتغال ضمن الجمعيات الثقافية يتصف ويتميز عن الكثير من المجالات الأخرى؛ ذاك أن حقيقة الأدب غير ملحقة ولا محددة. لهذا من الحري، الرفع من شأن السؤال الثقافي في أشكاله المتعددة. فلا يمكن أن تنظم ملتقيات في الشعر تبقى محكومة بالاجترار وبالتجاور الغافل للكتاب، في غياب للإعلام والنشر والذي بإمكانه أن يساهم في التداول والتفاعل ومنح الملتقى امتداده الطبيعي. فليس مهما في الملتقيات حضور الكتاب من كل فج، بل ما يقدم. وما مدى فعالية ذلك في المحطة المنظمة. من هنا يمكن محاسبة المسيرين للجمعيات، باعتبارهم كتابا، وليسوا مموني حفلات، يتصيدون الدعم في تربص بالمبدعين للغو قليلا، إلى حين أن يتفرق الجمع، للأسف دون حضور فعلي ومتابعة جدية.
وفي نفس الآن، فهؤلاء في الجمعيات لا يلتفتون للصرخات والأصوات التي تفضح السلوكات الانتهازية اللصيقة بالكراسي دون بعد نظر يبحث عن مكانة للثقافة في المجتمع والحياة وليس كديكور ومكمل بل كحضور وموجه. والطامة الكبرى أن هذه الملتقيات أصبحت تفتقد الحضور تدريجيا إلى حد أن بعض الملتقيات لا يحضرها إلا المدعوون من الكتاب، وبدورهم ينفلتوا، لتفريخ كبتهم المركب، فتتحول هذه الملتقيات إلى مهرجانات للغو والسياحة. لهذا تشابهت علينا المهرجانات.. فبئس هذا المصير.

> بقلم: عبد الغني فوزي

Related posts

Top