“رمضان” في قصص مغربية وأجنبية -الحلقة9-

حين مراجعة المجاميع القصصية المغربية وكذا الأجنبية التي صدرت على امتداد عدة عقود، سواء للرواد أو للكتاب الجدد على حد سواء، من النادر أن نعثر على نموذج منها يتناول الموضوع الذي له ارتباط بشهر رمضان.
هل معنى هذا أن الشهر الكريم لا يوحي للأدباء بأي شيء؟
الملاحظة الأخرى التي يمكن تسجيلها ونحن بصدد إعداد سلسلة من النصوص القصصية للنشر في هذا الفضاء الرمضاني، هو أن أغلب هذه النصوص تتطرق إلى يوم بعينه من رمضان، ألا وهو يوم السابع والعشرين، أو ليلة القدر بالأحرى، وهذا ليس مفاجئا، على اعتبار ما تحبل به هذه الليلة من رموز وإيحاءات.
إننا نفتقر إلى أنطولوجيات في مختلف فنون الأدب، تخص موضوعات بعينها. إن عملية جمع النصوص الخاصة برمضان، بقدر ما هي متعبة؛ فهي كذلك ممتعة ومفيدة، ولا شك أن مكتبتنا بحاجة إلى هذا النوع من الأنطولوجيات التي تتيح لنا الإحاطة الشاملة بالنصوص التي تتناول موضوعا أو قضية بذاتها، بأصوات متعددة.

غشت .. في رمضان

< بقلم: سيف الدين خواجة

لم تكن تلك القرية بتلك الجزيرة الخصبة خصوبة عجيبة وغريبة، جزيرة المتناقضات المتحدة في مواجهة معركة الحياة / حتى لكأنك تقول جزيرة الأحلام أو جزيرة الدراويش أو جزيرة الصالحين أو جزيرة الأبالسة من كل صنف ولون أو هي جزيرة المطاميس، كل هذه الأخلاط وغيرها من الأطياف تماسكت صفا واحدا من أجل مقابلة الحياة بخصوبتها لخصوبتها، جزيرة يأتيها الضيوف من كل حدب وصوب ويأتيها الدارويش، يصبحون فيها ولا يمسون، لا تعرف كيف جاؤوا وكيف ذهبوا، ولهم مع أهل الجزيرة شأن وأي شأن، الناس هنا حياتهم نسيج متكامل لا يوجد نشاز على عزف منفرد، تناغم عجيب وغريب، أعطى زخما وألوانا تضاحك بعضها البعض، إيمانهم بربهم ثابت لا يتزحزح. تعاملهم مع العبادات برضاء تام ومحبة شديدة ونفس راضية متصالحة مع واقعها، فهم يأتون للصلاة في أي موقع قرب المزرعة جنب مراح البهائم فأينما ادركتهم يؤدونها، والزكاة يفعلونها بتلقائية ومحبة وعن طيب خاطر يوم حصاده دون أن يكشفوا وجهتها للستر والمحبة، خاصة أن بالقرية الفروقات الطبقية لا تكاد تذكر في مستوى المعيشة والتدرج الطبقي برضاء تام وقناعة لذلك كله، التكاتف والتعاضد واللحمة الوحدة هي السمة الأبرز في أمن ذلك المجتمع. ويزداد ذلك في رمضان بجلاء، لذلك هم في دأبهم في أداء الشعائر. لهم قفشاتهم يلقونها دون التحرز من إثم بل على السليقة والسجية دون قصد من إضحاك هي كلمة يلقونه في مماحكة المعيشة مع العبادة ويمضون بغير اكتراث وها هي الحاجة سروره في عزاء خالتها ليلا، فإذا بن خالتها يأتيهم وهو ينبه أسرته لعمل اللازم من عشاء وسحور، معلنا:
يا جماعة اعلنوا رمضان باكر.
فإذا سرورة تنهض قائلة: – قلت شنو يا احمد؟ورد احمد:
– رمضان باكر.
وتلك الحاجة «مدينة» في مراحها مع البهائم، يذهب إليها الصبية وهم يغمغمون بصورة لم تفهم شيئا قائلة: ـ ياولاد مالكم..
الصبيان: أنت ماعندك خبر؟الحاجة «مدينة»: خبر شنو؟
الصبيان بصوت واحد: (باكر رمضان) الحاجة «مدينة» عادتها دائما حتى لو جئت في شهر شوال وأخبرتها برمضان، تقول لازمتها المعروفة التي تضحك الجميع:
(رمضان ما لو علينا.. البارح ما صمنا).
والغريب في الأمر تصومه صياما صارما وهي تبكي منه وإلى ذلك دار بينها وبين بنتها الحوار التالي ذات سحور ضائع: الحاجة «مدينة» : يا بنت قومي سخني السحور.البنت تولع النار وتنفخ فيها وهي ترفع رأسها أحست بأن شعاع الشمس يتسرب إلى أعلى الحائط قائلة: – يمه تقول علي الشمش شرقت. الحاجة «مدينة»: يا بنت تشرقك المياه الحارة. البنت: افتح الباب اشوف الحاصل شنو.الحاجة «مدينة» مسرعة: يابنت اتقصي اقعدي في محلك لا تفتحي الباب. البنت: لكن يا أمي هذا كفن. الحاجة «مدينة»: اسكتي كلي، رمضان بالسحور مو قادرين عليه.. وهذا ابن المؤذن الذي عائد لتوه من شلته وهو يدخل، يجد والده يتأهب للخروج للأذان، فيسأله الابن: – إلى أين يا حاج؟ المؤذن: خلاص الفجر طلع ماشي يؤذن. –
إلا أن ما يحدث في صلاة العشاء والتراويح من عبده كثير المزاح غريب الأطوار والذي لا تستطيع أن تشخصه درويشا أو بوما. هو حالة لا يجد لها الناس تفسيرا. غير أنه أحيانا تصدر منه كلمات تصبح حكمه يتناقلها الناس وأحيانا يعتبره أهل القرية أنه يفهم الناس ويضع لكل واحد مكانته على طريقته الخاصة. والغريب أنه في كل مزاحه يكون مع الرجال فقط وليس له شأن بالنساء، لذلك هو في صلاة التراويح يتحين الفرص ويختار أين يقف، فهو تارة يقف وراء علي الدرويش، وأثناء السجود يمد يده ويسحب الدكة، وعندما يقوم علي يقع اللباس وهنا يصيح الدرويش (لا إله إلا الله، والله الصلاة مع عبده ما نافعة).
وفي كل هذا يستمر في صلاته مكملا إياها! وقبل كل هذا بعد الإقامة مباشرة يقول: (يا شيخنا عليك الله من الكافرين ولا تحت لا تطلع لا فوق الناس أشقياء. أحيانا أخرى يقف عبده خلف الخليل الذي يتهمه الناس أن له كوكة مع خصيتيه أو ربما كناية عن كبرها، وعند السجود يلمسه عبده من الخلف في العدة فتسمعه يهمهم بكلمات على شاكلة (لا حول ولا قوة إلا بالله مع عبده ما هذه الصلاة)..
ولعلها من حكمه التي صارت حديث القرية أنه وأثناء جلوسه في ظل الضحى أمام ديوانه فوق قوزة الكبير. شاهد الإمام وابن أخته حمد على حمارتيهما مسرعين باتجاه بحري، فما كان منه إلا أن ناداهما.
خاصة النداء لحمد. في حين الإمام كان يأمر ابن أخته ألا يتوقف وألا يسمع كلام هذا المخذول.

< عبد العالي بركات

Related posts

Top