رحلة صوفية -الحلقة 5

لم يعيشوا حياتهم جزافا، بل كانت لهم رسالة أرادوا إيصالها للناس، إنهم أولياء الله الصالحين الذين خاضوا تجربة روحية وتأملا وجوديا لتحقيق الوعي بمقامات التقوى، وبما أننا في شهر العبادة والذكر، تأخذكم “بيان اليوم” طيلة أيام شهر رمضان المبارك، في صحبة أشهر أعلام التصوف في الإسلام، لنسافر معهم إلى عوالم العشق الإلهي، ونسبر أغوار عالم التصوف وخباياه، ولنتعرف أيضا على التنوع الكبير في أشكال الولاية والطرق إلى الله.

الرحلة الخامسة: النفّري
“كلما اتسعت الرؤية.. ضاقت العبارة”

بعد وفاة الحلاج كان هناك صمت صوفي تام، خلال فترة الصمت هذه تحدث النفّري، لذلك فاسم هذا الولي مرتبط بالصمت والغموض، كما أن أكثر المتخصصين في تاريخ التصوف الإسلامي لا يعرفون عنه سوى القليل، هذا الشخص هو أقل شخصية في تاريخ التصوف توجد عنها معلومات، فكل ما يعرف عنه اسمه، وهو محمد بن عبد الجبار النفّري على الرغم من أن هناك من يشكك أيضا في اسمه، في حين كانت وفاته على الأرجح، سنة 354 هـ في مكان مجهول بمصر.
“المواقف والمخاطبات” عبارة عن رسالتين في الأصل، إلى أن جاء المستشرق ” آرثر أربري” وجمعهم في كتاب واحد، هذا النص استثنائي جدا في فترة التصوف، فخلال فترة الصمت تلك، حاول النفّري استعمال رمزية معينة ستعرف فيما بعد بما يسمى بالخطاب الفهواني، وهو نوع من الخطاب يشتشعر فيه الصوفي أن الله يحدثه به، إلا أن هناك من ذهب وقال أن هاتين الرسالتين هما لسبطه الذي كان يجمع القصاصات التي كان يكتبها جده، فالقصاصة الأولى يستهلها بـ”إن الله أوقفني”، وهي المواقف، أما الثانية يقول فيها، “الله خاطبني بكذا” وهي المخاطبات.
يقول في موقف قلوب العارفين: “قال لي التقط الحكمة من أفواه الغافلين عنها كما تلتقطها من أفواه العامدين لها، أنك تراني وحدي في حكمة الغافلين لا في حكمة العامدين؛ إذ أن الحق سبحانه يجري الحكمة على لسان من يشاء من عباده، لكي تصل إلى قلوب المستحقين لها، وإن كان ما في الرؤية إحقاق، ولا استحقاق، وإنما هي من عظيم فضله، إذ يؤتي الحكمة من يشاء، ومن أوتى الحكمة، فقد أوتى خيرت كثيرا”.
و في مخاطبة يقول: “يا عبد من كلمته سمع مني وإلا فلا، من سمع مني أجابني وإلا فلا، من أجابني أسرع إلي وإلا فلا، من أسرع إلي جاورني وإلا فلا، من جاورني أجرته وإلا فل،ا من أجرته نصرته وإلا فلا، من نصرته أعززته وإلا فلا، وهكذا نرى الحماية والعز والنصر من نصيب أولياء الله الصالحين”.
عبارة “كلما اتسعت الرؤية.. ضاقت العبارة”، عبارة عميقة وبليغة تحتاج وقفة للتأمل، فالقولة تطرح إشكالا التصوف، والمتمثل في إشكال التبليغ، إذ “تجد القوم يشكون أو يعتذرون من قصور العبارة عن التبليغ”، ولهذا عمد الصوفية إلى البحث عن وسائل أخرى للتبليغ تناسب “الرؤية”، وليس هناك إلا وسيلة واحدة تستوفي الشروط السابقة وهي “الإشارة”.

> إنجاز: أنس البشارة- (صحافي متدرب)

الوسوم , , ,

Related posts

Top